لكل وقت عبوديته.. ولكل حال عبادته الخاصة. هكذا علّمني أحد طلاب العلم يومًا، وهو يردّد: الموفَّق من عبد الله في كل وقت بعبوديته. فإن جاءك ضيف فعبادتك إكرامه، وإن جلست بين يدي والديك فجلوسك عبادة، وإن سعيت في قضاء حاجة الناس فذاك باب واسع من أبواب القرب.
لكنّي حين تأملت في حال زماننا، وجدت أن أعظم الطاعة اليوم ليست في كثرة النوافل والعبادات الفردية، بقدر ما هي في نصرة المظلومين، وفي مقدمتهم غزة، غزة التي تحولت إلى قصة هذا العصر، وأيقونة للصبر واليقين، اجتمع على حصارها القريب قبل البعيد، وغدر بها المسلم قبل العدو، لكنها ما زالت شامخة كجبل لا ينحني، رغم الجراح والدمار.
أي عبادة أعظم من أن تستشعر وجعها في قلبك، وأن تجعل من دعائك سندًا لها، ومن صوتك نصرةً لحقها، ومن موقفك شهادةً على عدل قضيتها؟ إنها عبادة هذا الزمان؛ أن نكون مع المظلوم، نذكّر ونواسي، نرفض الظلم والهوان، ونوقن أنّ الله لا يخذل من صدق.
وغزة ليست أرضًا تقاتل وحدها، بل أمّهات صابرات يودّعن أبناءهن بالشهادة، ويُرضعن أطفالهن حليب العزة وسط الركام، هي نساء يعلّمن الدنيا أن الأمومة ليست ضعفًا، بل هي مدرسة الصمود، تزرع في الصغار بذور الرجولة واليقين، وتصنع من دموعها أنهار أمل لا تنضب.
تلك الأمهات، وهن يدفنّ فلذات الأكباد بقلوب راضية محتسبة، يقدّمن أبلغ صورة للعبادة الحقّة: الرضا بالقضاء والثبات على درب الحق. إن صبرهن عبادة، وإن دموعهن الممزوجة بالدعاء من أصدق ما يُرفع إلى السماء.
قال رسول الله ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، وقال أيضًا: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
فلنكن ذلك الجسد الحي، قلبه غزة النابضة، وروحه نصرة المقهور، ولسانه كلمة حق. ولنجعل من عباداتنا اليومية جسورًا تصلنا بالمظلومين، لا جدرانًا تعزلنا عن صرخاتهم.
فلكل عبادة زمنها، وزمننا اليوم كُتب بمداد الدم في غزة. وسيشهد علينا التاريخ والزمان: هل كنّا معها حقًا؟














