مشهدٌ مرتبك يحيط بنا من كل جانب؛ حروب لا تهدأ، دماء تسيل في بقاع الأرض بلا ثمن، ظلم يتكاثر كالطوفان، قلوب قاسية لا تعرف للرحمة بابًا، ومجتمعات تائهة بين صخب الشهوات وضجيج المصالح.
كأننا نعيش زمناً فقد فيه الإنسان بوصلته، فلا عدل يطفئ عطش المظلومين، ولا رحمة تداوي جراح البسطاء، ولا عقل رشيد يردع من باع ضميره بثمن بخس.
لكن، هل الفوضى وحدها علامة النهاية؟ أم أنها مجرد ناقوس خطر، وصوتُ تنبيه يوقظ الغافلين قبل أن يبتلعهم الطوفان؟
إن في قلب كل أزمة فرصة، وفي خضم كل ظلام بادرة نور، وفي كل محنة منحة لمن أراد أن يعتبر، فما دام في الأرض من يرفع أكفّه بالدعاء، ويقيم ميزان الحق، ويزرع الرحمة في الناس؛ فإن الأمل لا ينطفئ، والزمان لم يغلق بعد صفحاته، والأبواب لم تغلق أمام التوبة والعودة واليقظة.
لقد حذّرنا رسول الله ﷺ من أيام تختلط فيها الحقائق، ويصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ويُصدّق الكاذب ويُكذّب الصادق، ويُؤتمن الخائن ويُخوَّن الأمين، ويظهر الرويبضة ليتحدث في أمور العامة. أليست هذه المشاهد هي ما نعيشه اليوم؟ حقائق مطموسة، وأكاذيب متربعة على العقول، وظلم يُشرعن، وباطل يُجمَّل حتى يظنه الناس صوابًا.
فكيف لأمة الإسلام أن تُعيد بوصلة الخروج من هذه الفوضى؟
لا طريق إلا بالعودة إلى الجذور: إلى العدل الذي هو أساس المُلك، وإلى الرحمة التي بها قامت السماوات والأرض، وإلى الصدق الذي يبعث الطمأنينة في النفوس، وإلى العمل الصالح الذي يحيي القلوب، إن الأمة التي تتخلى عن هذه القيم إنما تسلم نفسها لرياح الفوضى تعبث بها حيث شاءت.
وكيف للإنسانية جمعاء أن تجد السلام والهدوء؟
حين يوقن الجميع أن القوة مهما طغت زائلة، وأن العدل باقٍ خالد، وأن الدماء المهدورة ستظل شاهدة على الظالمين مهما طال الزمان، السلام لا يولد من فوهات البنادق، ولا من موائد المساومات، بل يولد حين تنحني القلوب للحق، وتعرف أن الرحمة أقوى من القهر، وأن الكلمة الصادقة أبقى من الرصاص.
أما المنصفون، فدورهم لا يقل خطورة، إنهم مسؤولون عن رفع أصواتهم في وجه الظلم، عن إشعال مصابيح الحق مهما بدا الليل حالكًا، عن الوقوف في صف المظلوم ولو كان ضعيفًا، لأن صوت العدل إذا خفت ضاع معه الأمان، وإذا انطفأ صارت الفوضى قدرًا لا مهرب منه.
لقد أصبح الحق في زماننا واضحًا كالشمس في كبد السماء، لكن العيون زائغة، والقلوب مضطربة، والعقول تائهة، الكل يرى الضحايا، لكن قليل من ينصرهم، الكل يشهد الباطل، لكن كثيرًا يبرره أو يصمت عنه. صار الناس في ركاب الطغيان والظلم والباطل يسيرون، ظنًا منهم أن ذلك الركب سينجيهم، بينما هو في الحقيقة يسوقهم إلى هاوية لا قرار لها.
فلنكن نحن من يختار النزول من هذا الركب، لنلحق بركب الحق قبل أن يُطوى الزمان، وتُغلق صحائف العمر، ويُسأل كل امرئ: ماذا فعلت حين رأيت الفوضى؟ هل كنت شاهد زور؟ هل كنت صامتًا عن الحق؟ أم كنت من الذين قالوا كلمة صدق، وأشعلوا في قلوب الناس قبس نور، علّ الله أن يجعل بهم فرجًا ومخرجًا؟














