الشرق الأوسط يعيش اليوم أخطر مراحله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالمشهد العسكري لم يعد مجرد مواجهات محدودة، بل تحوّل إلى ساحة صراع كبرى تتشابك فيها القوى الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع المشاريع التوسعية مع مصالح القوى العظمى، لتجعل المنطقة بركانًا لا يهدأ.
وفي وسط هذا المشهد، تبقى مصر القلب النابض وصمام الأمان، الدولة التي لا يمكن تجاوزها في أي معادلة عسكرية أو سياسية تخص الأمن القومي العربي.
أولًا: التحركات العسكرية الإقليمية
الكيان الصهيوني: يواصل عدوانه السافر على الشعب الفلسطيني، عبر قصف متكرر لغزة وتهويد ممنهج للضفة الغربية، ومحاولات فرض واقع استيطاني بقوة السلاح.
كما يوسع عملياته العسكرية تجاه سوريا ولبنان، محاولًا جرّ المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تخدم مشاريعه التوسعية، معتمدًا على الدعم الأمريكي والغربي المطلق.
إيران: تمددت عبر أذرعها العسكرية في لبنان (حزب الله) والعراق (الحشد الشعبي) واليمن (الحوثيون) وسوريا، لتفرض نفسها لاعبًا رئيسيًا عبر الحرب بالوكالة، تحركاتها العسكرية تعكس مشروعًا إقليميًا واضحًا يهدف لتطويق الدول العربية وإضعافها.
تركيا: تسعى لتكريس نفوذ عسكري مباشر من خلال تدخلها في الشمال السوري وليبيا، ومحاولاتها المتكررة لفرض نفوذها في شرق المتوسط، مشروعها العثماني الجديد بات تهديدًا واضحًا للأمن القومي العربي، خاصة على الحدود الغربية لمصر.
ثانيًا: التهديدات المباشرة للأمن القومي المصري
الحدود الشرقية: حيث التهديد الإسرائيلي المستمر، والفوضى التي تُفرض على الساحة الفلسطينية، ما يجعل مصر في حالة استنفار دائم لضمان عدم انتقال الصراع إلى حدودها.
الحدود الغربية: التدخل التركي والميليشيات المسلحة في ليبيا تهدد الأمن المصري مباشرة. القاهرة تحركت بوضوح حين أعلنت خط سرت – الجفرة خطًا أحمر، لتؤكد أنها لن تسمح باختراق أمنها القومي.
الحدود الجنوبية: الأزمة السودانية المعقدة، وانتشار الجماعات المسلحة، تجعل من مصر لاعبًا أساسيًا في منع تحول السودان إلى ساحة حرب تهدد استقرار وادي النيل.
الملف المائي: محاولات إثيوبيا فرض واقع جديد عبر سد النهضة تشكل خطرًا استراتيجيًا على حياة أكثر من 100 مليون مصري، وهو ملف وجودي تتعامل معه مصر بسياسة تجمع بين الدبلوماسية والردع العسكري المحتمل إذا لزم الأمر.
ثالثًا: القوى الدولية وصراع النفوذ
الولايات المتحدة: رغم إعلانها الانسحاب من بعض مناطق الشرق الأوسط، إلا أنها ما تزال اللاعب الأكثر تأثيرًا عبر تحالفها المطلق مع إسرائيل، وقواعدها العسكرية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا، واشنطن تستخدم السلاح والاقتصاد لفرض أجندتها، لكنها فشلت في إقصاء مصر عن موقعها القيادي.
روسيا: دخلت بقوة منذ تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، لتعيد التوازن في مواجهة المشروع الأمريكي، وجودها في سوريا وليبيا يعكس رغبتها في استعادة نفوذها كقوة عظمى. علاقاتها مع مصر شراكة استراتيجية، سواء في السلاح أو الطاقة النووية.
الصين: تمارس نفوذًا مختلفًا يقوم على الاقتصاد والاستثمارات عبر مبادرة «الحزام والطريق»، لكنها تدعم مصر كركيزة للاستقرار وضمان تدفق التجارة عبر قناة السويس، وجودها غير العسكري لا يقل أهمية، فهو يمنح مصر بدائل استراتيجية بعيدًا عن الهيمنة الغربية.
رابعًا: مصر.. الدولة المحورية
قوة مصر لا تكمن فقط في موقعها الجغرافي الذي يربط ثلاث قارات ويتحكم في أهم ممرات التجارة العالمية، بل في جيشها الذي أصبح من أقوى عشرة جيوش في العالم، بتسليح متطور يشمل الطائرات المقاتلة الحديثة، حاملات المروحيات، منظومات الدفاع الجوي، والغواصات الاستراتيجية. هذا الجيش ليس أداة للهيمنة، بل درع وسيف للأمن القومي العربي.
مصر أعلنت بوضوح أنها لن تسمح بتفكيك المنطقة، ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام مشاريع تقسيم الدول العربية، دعمها المستمر للقضية الفلسطينية، ووقوفها في وجه التدخلات التركية والإيرانية، وتحالفها مع دول الخليج، كلها تؤكد أن القاهرة هي العاصمة الوحيدة القادرة على صياغة التوازنات.
خامسًا: الرسالة إلى الداخل والخارج
إلى الداخل، مصر تبني في صمت، تدرك أن التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي هما الوجه الآخر للقوة العسكرية، وإلى الخارج، رسالتها واضحة: القوة الناعمة والدبلوماسية لن تكتمل إلا بجيش قوي قادر على الردع.
الأعداء يعرفون قبل الأصدقاء أن مصر إذا تحركت عسكريًا فإنها لا تعرف التراجع، عقيدة الجيش المصري ثابتة: «يد تبني ويد تحمل السلاح»، والجيش المصري لا يقاتل من أجل توسع أو أطماع، بل من أجل بقاء الأمة وحماية السيادة.
الخاتمة
إن التحركات العسكرية بالشرق الأوسط تكشف بوضوح أن مصر ليست مجرد طرف في لعبة القوى، بل هي القاعدة التي يقوم عليها ميزان المنطقة، من يحاول تجاهل دورها يغامر بالانزلاق نحو فوضى لا حدود لها.
إن مصر اليوم، قيادة وشعبًا وجيشًا، هي الأمل الحقيقي لحماية الأمة، وردع المعتدي، وإجهاض المشاريع الاستعمارية الجديدة.
قيادي عمالي ومحلل سياسي
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













