من مواليد العريش 1941 وتوفاه الله 2020، لم يخطر على بال الدكتور محمود ان القدر الذي جعله اول طالب من سيناء يدخل كلية الصيدلة 1958 هو نفس القدر الذي سيسجل اسمه على رأس كتيبة الابطال الذين نقشوا اسمهم في تاريخ سيناء بحروف من نور عقب نكسة يونيو 1967 فقد حصل سيادته على بكالوريوس الصيدلة 1964،
وتم تكليفه بالصحة المدرسية بالعريش ثم تفرغ ليفتح اول صيدلية بالعريش عام 1966 صيدلية «ابن سيناء»، فكانت اسم على مسمى في شارع 23 يوليو بالعريش وهو الشارع الرئيسي فيها، والذي شاءت الاقدار ان تكون مركزا لانطلاق المقاومة ضد العدو الاسرائيلي بعد النكسة حيث كانت البداية تلقائية بطبع منشورات ضد الاحتلال لرفع الروح المعنوية للمواطنين مع مجموعة من المناضلين من ضمن مجموعات اخرى تفككت تحت وطأة ملاحقة قوات العدو لها.
وقد اشتهر دكتور محمود بدماثة خلقه وقلة كلامه ووطنيته الطاغية مما جعل رجال الظل من المخابرات المصرية يصلون اليه وتكليفه بمهام ادارها بنجاح في الوقت الذي امتلأت جنبات سيناء بجماعات اخرى غير منتظمة تقوم بعمليات متفرقة ولكن القيادة ارادت تعظيم الفائدة من نتائج تلك العمليات لحين تحرير الأرض.
وكان الموعد مع القدر يوم 4 اكتوبر 1973 حيث دخل الصيدلية احد المرضى يحمل روشتة سلمها للدكتور والذي انشغل بقرائتها حتى بدت على وجهه ملامح الجدية وقضى وقتا يتفحصها بحجة ان الحروف غير واضحة.. فهكذا هي روشتات الأطباء.
برغم انها لاتحتوي الا على نوعين فقط من الادوية 6 حقن فينامين ب مركب و12 كبسولة مضاد حيوي وهناك خط صغير تحت الرقم 6 وحرف ب ورقم 12 والتقط الصيدلي الرسالة وهي ان الهدف 126ب قد تقرر تدميره.
فنظر الى حامل الروشتة وسأله متى تريد هذا الدواء فرد الليلة.. والهدف كان محطة كهرباء تشمل 3 محولات ضخمة تكمن اهميتها انها تمد معسكرات التصنت الاسرائيلي على ساحل بحر العريش بما يضمه من اجهزة اليكترونية تسمح لجنود العدو سماع والتقاط الاشارات المتبادلة على الجبهة من الجانب المصري.
وككل الصيدليات هناك مخزن خلفي وهو المكان المعد لاعطاء الحقن ولكن بين كراتين الدواء والثلاجة هناك مخزن سحري تقبع فيه اصابع الديناميت بين الادوية والتي سوف يتم دفعها الى منزل عبد الحميد الخليلي وهو احد ابطال المجموعة ليتم تجهيزها ونقلها في نهار اليوم التالي الى اقرب مكان من الهدف وهو مركب مهجور على شاطئ البحر.
وفي الوقت المحدد قام عبد الغني السيد وعدنان شهاب وصباح الكاشف بالتخلص من الحراس بعملية نوعية وفي تمام الساعة 11 ليلا ارتجت العريش على اثر انفجار ضخم اضاء سمائها وتبعثرت اشلاء تلك المحطة التي اصبحت اثرا بعد عين.
اما يوم 7 اكتوبر 1973 فقد اقدمت المجموعة على نسف كوبري السكة الحديد حيث يمر القطار القادم من داخل فلسطين المحتلة الى محطة سكة حديد العريش والذي كان يحمل العتاد والاسلحة والتي يتم نقلها الى الجبهة شرق قناة السويس حيث تم وضع 6 عبوات ناسفة في اماكن متفرقة حتى لايسهل الاصلاح وانفجرت في تمام الساعة الثامنة والنصف من مساء ذاك اليوم.
وبينما كان الجيش الاسرائيلي يواجه موجات العبور من النسور الابطال الذين عبروا القنال وفتحوا الساتر الترابي ودكوا خط بارليف، كانت المجموعة التي تضم الدكتور محمود الازعر وصباح الكاشف ومحمود العزازي وسعد جلبانة مع عدنان شهاب وعبد الحميد الخليلي يقومون بنسف كابل الاتصالات السلكية الرئيسي وفوجئت قوات العدو التي فقدت توازنها على الجبهة بانقطاع الاتصالات.
وبرغم مرور اكثر من نصف قرن على حرب اكتوبر المجيدة فإن كثيرا من البطولات لم ترى النور بعد، ولاشك ان خلية اللاسلكي هذه كانت ترسل اخبار تحركات ارتال العدو البرية بالعدد والمكان وساعة التحرك مما ساعد نسور الجو في تدميرها.
فقد تلقت غرف العمليات في غرب قناة السويس كل ما يدور خلف خطوط العدو ككتاب مفتوح كما قال اللواء ابراهيم فؤاد نصار قائد المخابرات الحربية آنذاك، فقد رصدت تحركات واعداد طائرات الهليكوبتر التي كانت تصل الى مطار العريش من الاسطول السادس الامريكي الذي كان يقف في عرض البحر وعلى مقربة من شاطئ العريش ليعوض العدو عن خسائره الفادحة.
وعندما احس افراد المجموعة بتتبع اشارات اجهزة اللاسلكي نقلوا الاجهزة الى منزل في الشوارع الخلفية ووضعوا جهاز داخل جدران المنزل والاخر اسفل حائط اخر، ولكن استطاعت قوات العدو من القبض على المجموعة في مساء 11 نوفمبر بعد انتهاء الحرب واقتيادهم الى سجن غزة حيث لاقوا كل الوان التعذيب والصعق بالكهرباء ووجهت اليهم تهمة التجسس وحيازة متفجرات والاتصال بالمخابرات المصرية وتم الحكم عليهم بالمؤبد.
إلا ان اتفاق فك الاشتباك بعد الحرب الذي نص على تبادل الاسرى استطاع تحرير المجموعة بالكامل بطلب من القيادة المصرية حيث استقبلهم قائد المخابرات ومنحهم نوط الامتياز من الطبقة الاولى بأوامر من القائد الاعلى للقوات المسلحة وقد نالوا رعاية الدولة لهم حتى قضوا نحبهم، تحية لارواح الشهداء الذين قدموا كل مرتخص وغال لتحيا مصر عالية هاماتها مرتفعة راياتها لتظل تاج العلاء في مفرق الشرق.













