تلقيتُ تقريرًا مرعبًا.. لا عن ساحة حرب، بل عن مائدة طعام، عن أفريقيا، حين تُسحب اللقمة من أفواه الفقراء، لا لأنهم أخطأوا، بل لأن العالم قرر أن يشتعل.
ما يحدث اليوم، على خلفية الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران، واستهداف مراكز الطاقة والبنية التحتية، واختناق الملاحة في بحر العرب ومضيق هرمز، ليس شأنًا إقليميًا كما يُروَّج، ولا مجرد «تداعيات اقتصادية» تُكتب ببرود في تقارير المؤسسات الدولية.
الحقيقة أبسط وأقسى: هناك من يشعل النار، وهناك من يدفع الفاتورة، وأفريقيا – كعادتها – ليست طرفًا في الصراع، لكنها أول من يختنق بدخانه.. حين ترتفع أسعار النفط بنسبة تتجاوز 50% في أسابيع، لا يكون ذلك «رقمًا في تقرير»، بل وجبة تُحذف من مائدة أسرة أفريقية، وحين تنهار 29 عملة، لا يكون ذلك «مؤشرًا ماليًا”» بل إعلانًا صامتًا بأن دولًا بأكملها أصبحت أفقر… وأكثر هشاشة.
لكن السؤال الذي يهرب منه الجميع: من المسؤول؟ هل هي “الظروف الدولية”؟ أم تلك السياسات التي حوّلت العالم إلى حقل ألغام اقتصادي، تُدار من غرف مغلقة، وتُفجّر عن بُعد؟ الصراع في الشرق الأوسط لم يعد مجرد صراع جغرافي، بل أصبح أداة سياسية واقتصادية لإعادة ترتيب النفوذ العالمي.
أسواق الطاقة تُستخدم كسلاح، سلاسل الإمداد تُخنق عمدًا، والغذاء – نعم الغذاء – يتحول إلى ورقة ضغط، وفي قلب هذه المعادلة، تقف أفريقيا عارية من الحماية.
الغرب يتحدث عن «الاستقرار العالمي»، لكنه لا يرى تناقضه الصارخ، يدعم سياسات تؤجج الصراعات، ثم يُصدر تقارير يحذر فيها من آثارها.. يتحدث عن «أمن الطاقة»، بينما يدفع القارة الأفريقية ثمن اختلالاته، ينادي بـ«الشراكة»، لكنه يحتفظ لنفسه بحق القرار، ويفرض على الآخرين ثمن النتائج.
الأخطر من ذلك، أن أفريقيا نفسها – في كثير من الأحيان – ما زالت تتحرك داخل نفس الدائرة التي صُممت لإبقائها ضعيفة: تعتمد على استيراد غذائها.
تربط عملاتها بأنظمة هشة، وتنتظر «الحلول» من الخارج، الذي هو أصل الأزمة، وهنا تكمن المأساة الحقيقية، ليست فقط في الصدمة، بل في القابلية المستمرة لتلقيها.
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار قاسٍ يكشف حقيقة النظام الدولي: نظام لا يُعاقب من يشعل الحروب، بل يُكافئه بالنفوذ، نظام لا يحمي الضعفاء، بل يطالبهم بالصمود دون أدوات، نظام يتحدث عن العدالة، لكنه لا يراها إلا من زاوية مصالحه.
ولهذا، فإن الحديث عن «إجراءات عاجلة» أو «إصلاحات متوسطة» لم يعد كافيًا.. المطلوب – وبصراحة غير مريحة – هو كسر القاعدة نفسها، أن ترفض أفريقيا أن تكون مجرد سوق، أن تستعيد قرارها في الطاقة والغذاء والتمويل، أن تبني تحالفاتها على أساس المصالح.. لا التبعية، وأن تفهم أخيرًا أن العالم لا يُدار بالنيات.. بل بالقوة.
الرسالة التي يجب أن تُقرأ جيدًا.. إذا لم تملك أفريقيا أدواتها، ستظل دائمًا تدفع ثمن حروب غيرها، وإذا لم تُغيّر موقعها في المعادلة، فلن تكون سوى رقم جديد في تقرير قادم، عن أزمة جديدة لم تكن طرفًا فيها، لكنها – كالمعتاد – دفعت ثمنها كاملًا.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














