تمر الدولة المصرية بمرحلة من أدق مراحل «إدارة الندرة»، حيث تتقاطع فيها الضرورات الاقتصادية مع الاستقرار الاجتماعي والحسابات السياسية.
ويأتي قرار تحديد موعد إغلاق المحال التجارية عند «الساعة 11 مساء» ليكون بمثابة «عقد اجتماعي مؤقت»، يحاول استرضاء لغة الأرقام دون خنق روح المدينة التي لا تنام.
أولا: قراءة في المشهد السياسي (الاستجابة والاحتواء)
تستحق الحكومة المصرية لفتة تقدير على مرونتها في مراجعة القرارات السابقة التي كانت أكثر تشددا، سياسيا، يعكس تعديل الموعد إلى الحادية عشرة مساء إدراكا لخطورة «الاحتقان الصامت» لدى صغار التجار وفئة العمالة اليومية.
الدولة هنا لم تتراجع، بل «ناورت» لضمان ظهير شعبي يتفهم أزمة الطاقة، محولة القرار من فرض سيادي إلى تنسيق تشاركي يمتص غضب القطاع الخاص.
ثانيا: التقييم الاقتصادي.. هل نربح أم نقتطع من لحمنا الحي؟
عند تشريح الأثر الاقتصادي، نجد أننا أمام «مقايضة» (Trade-off) معقدة:
على جبهة الوفر: توفر الدولة مليارات الجنيهات سنويا من فاتورة استيراد المازوت والغاز المسال، مما يخفف الضغط على البنك المركزي في توفير العملة الصعبة.
على جبهة الخسارة: يظل التحدي في «القيمة المضافة المفقودة» فكل ساعة إغلاق هي في الحقيقة تعطل لدورة رأس المال، وانخفاض في حصيلة الضرائب، وتراجع في استهلاك السلع غير الأساسية.
نقطة التعادل: التعديل للـ 11 مساء هو محاولة للوصول لنقطة التعادل التي تضمن استمرار 80% من النشاط التجاري مع تحقيق 60% من المستهدف من ترشيد الطاقة.
ثالثا: البعد الاجتماعي.. إعادة تشكيل «الهوية الليلية»
اجتماعيا، يواجه القرار نقدا يتعلق بطبيعة الثقافة المصرية، فالمصريون يمارسون جزءا كبيرا من نشاطهم الاجتماعي والتسويقي ليلا، خاصة في فصل الصيف.
الإغلاق المبكر يضغط على هذه العادات، وقد يؤدي إلى «تكدس» في ساعات الذروة بدلا من توزيع الحركة على مدار اليوم، مما يرفع وتيرة التوتر المروري والنفسي.
رابعا: رؤية نقدية.. ما وراء الساعة الحادية عشرة
رغم إيجابية التعديل، إلا أن النقد الموضوعي يفرض علينا طرح تساؤلات جوهرية:
1- العدالة القطاعية: هل من المنطقي مساواة محل ملابس بورشة تصنيع أو بمركز خدمات لوجستية؟ التعميم قد يقتل التنافسية في قطاعات تحتاج للعمل بنظام النوبات (Shifts).
2- غياب الحوافز البديلة: بدلا من الإغلاق القسري، لماذا لا يتم طرح «تعريفة كهرباء ليلية» منخفضة للمحال التي تلتزم بمعايير كفاءة الطاقة؟ أو منح إعفاءات لمن يتحول للطاقة الشمسية؟
3- الاستدامة: لا يمكن أن تظل «ساعة الحائط» هي الأداة الوحيدة لإدارة أزمة الطاقة. الاعتماد على تقليل الاستهلاك هو سياسة «انكماشية»، بينما يحتاج الاقتصاد المصري لسياسات «توسعية» تزيد من إنتاج الطاقة لا تقنن استخدامها.
الخلاصة
قرار الحادية عشرة مساء هو خطوة حكيمة في توقيت صعب، تعكس توازنا بين «ميزانية الدولة» و«ميزانية الأسرة»، هو شكر مستحق على المرونة، لكنه يظل «مسكنا» للأعراض لا علاجا للمرض.
العلاج الحقيقي يكمن في تحويل المحنة لفرصة عبر توطين تكنولوجيا الطاقة البديلة، لكي تعود شوارع مصر مضيئة بإنتاجها، لا مظلمة بقرارات إدارية.














