لم يكن انسحاب وزير الصحة الدكتور خالد عبد الغفار من قاعة اجتماع النواب غضبًا لحظيًا أو رد فعل تعرضيًا، بل في حقيقته، يمثل تراجعًا أمام مشهد عبثي يعكس تغيرًا مقلقًا في دور البرلمان، الذي انتقل من كونه جهة تشريعية ورقابية على أداء الحكومة إلى مسرح لمطالب شخصية وخدمات استثنائية.
المشهد كان واضحًا نواب يتدافعون لتقديم طلباتهم، أوراق تُسلَّم بأيدٍ متلهفة، والتماسات تُوقع بلا تردد، وهو ما جعل القاعة تبدو أقرب لشباك خدمات إدارية منها إلى مؤسسة تشريعية نبيلة.
في خضم هذا العبث، تهاوت شعارات الرقابة والمساءلة لتحل محلها سياسة الاغتنام والظفر بالطلبات الطارئة بأي وسيلة.
لكن المسألة ليست متمثلة فقط في مغادرة الوزير الغاضب للقاعة، بل تكمن الخطورة الحقيقية في الانحراف الجوهري عن الأدوار، عندما يقبل النائب بتقزيم وظيفته الأساسية، فيتحول إلى وسيط بين المواطنين والسلطة التنفيذية لتحقيق مطالب فردية، فهو يضعف قيمة المؤسسة التشريعية برمتها.
إن كل استثناء غير منظم هو زيادة في الظلم؛ لأن هذه الامتيازات الخاصة غالبًا ما تُمنح على حساب حقوق مستحقين آخرين.
تتفاقم المشكلة عندما تنحدر الدولة من تطبيق مبدأ الحقوق والعدالة المتساوية إلى هيكلية تستند إلى العلاقات والوساطات.
في هذه الأجواء، تنحسر القواعد التي تحكم الجميع، ليُفتح المجال لأبواب خلفية لا تستجيب إلا لمن يمتلك القدرة على استغلال الوضع لصالحه.
ما حدث ليس مجرد موقف عابر أو حادثًا بريئًا يمكن تجاوزه، إنه دليل على أزمة أكثر عمقًا تتمثل في تحول البرلمان عن دوره المركزي كجهة مسؤولة عن وضع السياسات العامة وإرساء دعائم العدالة الاجتماعية.
من المفترض أن يسعى البرلمان إلى إصلاح الأنظمة مثل القطاع الصحي لضمان المساواة والكرامة للجميع، لكن حين يُهمل هذا الدور لصالح تسهيل طلبات نقل أو إصدار تصاريح استثنائية، فإننا أمام نزعة خطيرة تقلل من قيمة العمل التشريعي وترسخ انعدام الإنصاف.
النظام الذي يعزز ثقافة التفاوت وتقسيم المواطنين حسب علاقاتهم مع نوابهم ليس فقط نظامًا غير عادل، بل يمثل تهديدًا أساسيًا لمفهوم الدولة نفسها.
الأزمة هنا ليست فقط في تقصير الحكومة، بل أيضًا في تورط العمود التشريعي للمجتمع في دوامة توزيع المحسوبيات بدلًا من التصدي لها.
لا شك أن رفع قضايا المواطنين ودعم مصالح دوائرهم يعد جزءًا من صميم مهام النواب، لكن عندما يتحول هذا الواجب إلى أداة لتحقيق مصالح فردية بعيدة عن الإطار المؤسساتي الصارم وتحت سطوة الفوضى والمنفعة الشخصية، يصبح الهدف الأساسي للنيابة ضبابيًا وفاقدًا لمعناه الأصلي.
هذا المشهد يجب أن يقودنا إلى وقفة حقيقية لتحديد أصول الخلل ومعالجتها، وفتح أبواب الإصلاح الحقيقي وإغلاق منافذ الاستثناءات العشوائية لأنهما السبيل الوحيد للخروج من هذه الدوامة التي تزعزع الثقة بمؤسسات الدولة.
في نهاية المطاف، لم يكن خروج الوزير من القاعة سوى لحظة تسلط الضوء على تحدٍ أكبر أزمة فهم للدور المؤسسي وانحراف عن المسار الطبيعي للعمل العام.
ما غادر معه لم يكن جسده فحسب، بل غادرت هيبة القوانين وأسُس العدالة التي يُفترض أن تكون فوق كل الاعتبارات الأخرى.
الدولة بحاجة ماسة إلى استعادة توازنها بين خدمة مواطنيها بشكل عادل ومراعاة مركزية القانون على حساب المحسوبية والفوضى.














