في البلدان التي تحترم نفسها، لا يُقيّم الإنسان فقط بما أنجزه خلال سنوات العمل، بل بما يُمنح من كرامة وراحة بعد أن تهدأ صخب أيام الشباب وتثقل خطوات العمر.
المأساة تتجلى عندما يتحول أصحاب المعاشات من بناة للحياة إلى مجرد أرقام على هامش الموازنات، ومن رجال ونساء أسهموا في صنع مؤسسات الدولة إلى أفراد يصطفون في طوابير انتظار زيادات لا تكفي ثمن الدواء.
أصحاب المعاشات ليسوا فئة عابرة أو مجرد عدد في سجل، إنهم الذاكرة الحية للوطن؛ هم المعلم الذي زرع بذور العلم، العامل الذي استنزف عمره أمام الماكينات، الموظف الذي فتحت يداه أبواب المكاتب، والطبيب الذي كرس نفسه لشفاء المرضى، وغيرهم كل لما أفتى عمره من أجله، هؤلاء كانوا العتاد الذي استندت عليه الدولة في بناء نفسها، وليسوا عبئًا يومًا ما.
المؤلم حقًا أن الإنسان، عندما يكون في أوج قوته وعطائه، تسعى كل المؤسسات للاستفادة منه بلا تردد، ولكن ما أن تضعف عزيمته بمرور الزمن ويحتاج إلى طمأنينة وأمان، حتى يجد نفسه وكأنه بات غير ذي جدوى، وكأن سنوات عمره التي قضاها خدمة للوطن، أصبحت فجأة تُحسب عليه، لا له.
بحكم الدستور، لا يجوز لمن أفنوا حياتهم في بناء الوطن أن يجدوا أنفسهم يوميًا في معركة للبقاء، فقانون المعاش أصله حقوق مكتسبة وليست هدية أو منحة تُقدّم عند الحاجة، إنما هو التزام واجب على الدولة تجاه من أعطوا أعمارهم وجهدهم، واقتُطع من أجورهم بهدف تأمين مستقبل آمن لهم.
المعاش ليس صدقة، بل واجب مستحق يُعيد للدولة مصداقيتها تجاه مَن خدموها بإخلاص، وأخلاقيًا، فلا يمكن لمجتمع يدّعي احترام الكبار أن يُلقي بكباره ليصارعوا الغلاء والإيجارات وفواتير الحياة وهم في سنوات شيخوختهم.
يُفترض أن تكون نهاية العمر فترة للراحة والعيش الكريم بعيدًا عن القلق والاحتياجات الملحّة، لا معركة أخرى للنجاة.
كيف يمكن لرجل مسنّ أن يخفي مرضه مخافة ازعاج أبنائه بتكاليف العلاج؟ كيف لامرأة أمضت عمرها في العمل ورعاية بيتها أن تُجبر على حساب قوت يومها قبل شرائه؟
القضية أكبر من مجرد أرقام أو معادلات اقتصادية، إنها أزمة أخلاقية عميقة تمس إحساس الإنسان بأنه ليس أكثر من قيمة أُهملت في زمن الغلاء، والمجتمع بأسره سيدفع الثمن إذا أصبح الكبار فيه عاجزين عن تلبية أبسط احتياجاتهم.
الدول تعرف بإنسانيتها في تعاملها مع أضعف مواطنيها، وليس بمظاهر البنيان والحداثة، وعندما يشعر أصحاب المعاشات بالطمأنينة والأمان، فإن هذا الشعور ينعكس على الأجيال القادمة الذين لن يخشوا أن يصبح عمرهم يومًا دينًا مؤجلًا بلا ضمانات.
ما يطلبونه بسيط للغاية.. كرامة تحفظ أعمارهم التي أفنوها ببناء الوطن وحياة تصون ما تبقى من أحلامهم، لأن الألم الحقيقي ليس في الحاجة وضيق الحال فقط، بل في شعور الإنسان بأنه بات في نظر وطنه أرخص من فاتورة مستحقة.. ارحموا أصحاب المعاشات يرحمكم من في السماء.














