في الصباح الباكر يقف الرجل السبعيني أمام ماكينة الصراف الآلي، ينتظر دوره للحصول على معاشه، لا يحمل في جيبه سوى بطاقة قديمة، ولا يحمل في قلبه سوى سؤال واحد هل يكفي هذا المبلغ حتى نهاية الشهر؟
هذا الرجل كان يومًا موظفًا أو عاملًا أو معلمًا أو سائقًا أو فلاحًا، استيقظ عشرات السنين قبل شروق الشمس، وذهب إلى عمله في الحر والبرد، وربى أبناءه، وسدد التزاماته، وحلم بأن تأتي سنوات العمر الأخيرة أكثر هدوءًا وأقل قسوة، لكنه اكتشف أن التقاعد لم يكن راحة مؤجلة، بل معركة جديدة.
أصحاب المعاشات لا يخافون الشيخوخة بقدر ما يخافون المرض، يخافون فاتورة الدواء، وثمن التحاليل، وزيارة الطبيب، وارتفاع الأسعار، كثير منهم أصبح يقف أمام الصيدلية ليختار أي الأدوية يشتري وأيها يؤجل، وكأن المرض نفسه أصبح يخضع لحسابات الجيب.
وفي الوقت الذي تتوالى فيه القرارات الخاصة برفع الحد الأدنى للأجور لحماية العاملين من موجات الغلاء، يبقى أصحاب المعاشات الفئة الأكثر احتياجًا إلى حد أدنى للدخل يضمن لهم حياة كريمة.
من فقد القدرة على العمل والكسب، وأصبح دخله ثابتًا في مواجهة أسعار لا تتوقف عن الارتفاع، هو الأولى بالرعاية والأجدر بالحماية الاجتماعية.
إن العدالة لا تكتمل إذا حمت الدولة القادر على العمل وتركت من أفنى عمره في خدمة الوطن يواجه المرض والغلاء وحده، ولذلك فإن أصحاب المعاشات هم الأحق بحد أدنى للمعاش يواكب تكاليف الحياة ويضمن لهم الدواء والغذاء والمسكن الكريم.
في البيوت المصرية آلاف الآباء والأمهات الذين يخفون احتياجاتهم حتى لا يثقلوا على أبنائهم، يبتسمون كثيرًا، ويقولون إنهم بخير، بينما يؤجلون شراء ملابس جديدة أو علاج أو حتى زيارة طبيب، حفاظًا على توازن الأسرة.
المؤلم أن بعضهم يعود إلى العمل بعد الستين والسبعين، ليس حبًا في العمل، وإنما خوفًا من الحاجة، فتجد رجلاً أنهكه العمر يجلس في متجر صغير، أو سيدة تبحث عن دخل إضافي، أو موظفًا سابقًا يطارد رزقًا ظن أنه انتهى يوم خرج إلى المعاش.
هؤلاء لم يكونوا عابرين في حياة الوطن، هم الذين بنوا المدارس والمصانع والمكاتب والحقول، وربوا الأجيال، وتحملوا سنوات طويلة من العمل والعطاء، وكل شارع في هذا البلد يحمل أثرًا من جهدهم، وكل مؤسسة قامت على أكتاف رجال ونساء ينتظرون اليوم حياة أكثر رحمة.
الشيخوخة ليست ضعفًا، بل مرحلة تستحق الاحترام، والمعاش ليس منحة، بل حق دفع أصحابه ثمنه سنوات طويلة من أعمارهم، ومن حق من أفنى عمره في خدمة وطنه أن يعيش أيامه الأخيرة مطمئن القلب، لا خائفًا من المرض، ولا قلقًا من الغلاء، ولا منشغلًا بحساب ما تبقى من المال.
الأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق ومبانٍ، بل أيضًا بالطريقة التي تحتضن بها كبارها، لأن الرجل الذي يقف اليوم في طابور المعاش، كان بالأمس يقف في طابور العمل من أجل الجميع.
وهكذا تبقى شيخوخة أصحاب المعاشات امتحانًا حقيقيًا للضمير، وسؤالًا مفتوحًا أمام المجتمع كله كيف نكافئ من منحوا الوطن أعمارهم ثم وجدوا أنفسهم في نهاية الطريق يبحثون عن الطمأنينة؟
إن كرامة أصحاب المعاشات ليست مطلبًا اقتصاديًا فقط، بل التزام أخلاقي وإنساني تجاه جيل أعطى ولم ينتظر المقابل، وخدم ولم يطلب سوى الأمان في سنواته الأخيرة، فالوطن الذي يطمئن شيوخه، يطمئن مستقبله كله.












