حتى زمن قريب، كان المواطن إذا أراد أن يرفع صوته، اتجه إلى حزب سياسي، أو نائب منتخب، أو نقابة، أو صحيفة تحمل قضيته.
اليوم، تغير المشهد بالكامل، أصبح الهاتف المحمول هو المنصة، وأصبحت صفحة «فيسبوك» أو حساب «إكس» أو مقطع فيديو قصير، أسرع طريق لإيصال الرسالة، وربما الوسيلة الوحيدة التي يعتقد المواطن أنها ستصل إلى المسؤول.
هذه ليست قصة نجاح لمواقع التواصل الاجتماعي، بقدر ما هي شهادة على تراجع أدوات السياسة التقليدية عن أداء دورها الطبيعي.
السياسة لا تموت فجأة، لكنها تذبل عندما تبتعد عن الناس، وتفقد قدرتها على الإصغاء، وتتحول إلى نشاط نخبوي يدور داخل القاعات المغلقة، بينما تدور الحياة الحقيقية في الشوارع والأسواق والمصانع والقرى والنجوع.
وعندما يحدث ذلك، يبحث المواطن عن نافذة أخرى، حتى لو كانت شاشة هاتف صغيرة.
اللافت أن كثيرًا من القضايا التي تشغل الرأي العام لم تبدأ داخل الأحزاب، وإنما خرجت من منشور كتبه مواطن مجهول، أو شكوى نشرها رب أسرة، أو فيديو التقطه شاب بهاتفه، بعدها تبدأ ردود الفعل، ويتحرك الإعلام، وقد تتحرك الجهات المعنية.
هنا يفرض السؤال نفسه لماذا أصبح المواطن يثق في قوة منشور أكثر من ثقته في قدرة حزب على حمل قضيته؟
الإجابة ليست في قوة مواقع التواصل، بل في ضعف الأداء السياسي، فالأحزاب التي لا تنزل إلى الشارع، ولا تستمع إلى الناس، ولا تقدم حلولًا حقيقية، تترك فراغًا لا يظل فارغًا طويلًا، فالمجتمعات لا تعرف الفراغ، وما ينسحب منه طرف، يتقدم إليه طرف آخر.
لا أحد يدعو إلى أن تحل مواقع التواصل محل الأحزاب أو المؤسسات، فهذه المنصات لا تملك برامج، ولا تتحمل مسؤولية، ولا يمكنها أن تدير دولة أو تصوغ تشريعًا، لكنها نجحت في شيء بالغ الأهمية، أنها أقنعت المواطن بأن صوته مسموع، حتى لو كان عبر شاشة صغيرة.
هنا تكمن الرسالة التي ينبغي أن يتوقف أمامها الجميع، فالمواطن لا يبحث عن منصة إلكترونية بقدر ما يبحث عمن يسمعه.
ولو وجد حزبًا حاضرًا في قريته، أو نائبًا يتابع مشكلاته، أو مسؤولًا يفتح باب الحوار، لما اضطر إلى تحويل حسابه الشخصي إلى منبر سياسي.
المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في العلاقة التي أصابها الفتور بين السياسة والشارع. فالثقة لا تُستعاد بالبيانات، ولا باللافتات، ولا بالمؤتمرات، وإنما بالنزول إلى الناس. والاستماع إليهم قبل الحديث إليهم، ومشاركتهم همومهم قبل مطالبتهم بالثقة.
لقد تغير المواطن كثيرًا، وأصبح أكثر اطلاعًا، وأسرع في الوصول إلى المعلومات. وأقل استعدادًا لتصديق الخطاب الأحادي.
ولم يعد يقيس قوة السياسي بعدد صوره، بل بقدرته على الحضور وقت الأزمات، وتقديم إجابات مقنعة، والاعتراف بالأخطاء عندما تقع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حياة سياسية هو أن تفقد قنواتها الطبيعية الاتصال بالمجتمع. لأن البدائل لا تنتظر طويلًا.
وعندما يصبح «التريند» أكثر تأثيرًا من الحزب، والمنشور أكثر حضورًا من البيان. فإن الرسالة لا تكون عن قوة العالم الرقمي، بل عن الحاجة الملحة إلى مراجعة أدوات العمل السياسي.
السياسة لا تُهزم أمام التكنولوجيا، لكنها تُهزم عندما تتخلى عن وظيفتها الأساسية. أن تكون صوت الناس قبل أن تطلب منهم أن يكونوا صوتها.
وعندما تعود إلى الشارع، وتستعيد نبضه، وتؤمن بأن الاستماع لا يقل أهمية عن الحديث. ستظل المنصات الرقمية وسيلة للتواصل، لا بديلًا عن السياسة.
الهواتف لم تخطف السياسة من أصحابها، بل السياسة هي التي تركت مقعدها شاغرًا. فجلس عليه المواطن.












