ثمة فرق كبير بين من يعيش في وطن، ومن يعيش الوطن.
الأول قد يرحل إذا ضاقت به السبل، أو إذا تبدلت الظروف، أما الثاني فيحمل وطنه في قلبه أينما كان، ويظل مشدودًا إليه كما تشد الروح الجسد.
لهذا أقولها بكل يقين لن أهجر وطني، مهما اشتدت عليه المحن، ومهما أثقلته الجراح، فالوطن ليس حكومة، ولا نظامًا سياسيًا، ولا مرحلة عابرة من التاريخ، الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع.
الوطن هو أول صرخة خرجت من صدورنا، وأول طريق حفظ خطواتنا، وأول شجرة احتمينا بظلها، وأول بيت عرف أسماءنا قبل أن يعرفها الآخرون، هو ذاكرة العمر، وهوية الإنسان، واللغة التي نفكر بها قبل أن ننطقها.
نختلف مع الحكومات، ونعارض السياسات، ونرفض الفساد، لكننا لا نخاصم الوطن، فالأوطان لا تُحاسَب بأخطاء من حكموا، ولا تُختزل في مسؤول عابر، لأن الحكومات تتغير، بينما تبقى الأوطان شاهدة على الجميع.
وللأسف، تعاقبت على وطننا أنظمة رشيدة وأخرى غير رشيدة، وكان نصيب الثانية أكبر، أنظمة ظنت أن الوطن سيظل قويًا مهما أثقلته بالفساد، وأن مصالحها الضيقة لن تنال من مستقبله، لكنه وهم خطير؛ ففساد السلطة لا يهزم وطنًا في يوم واحد، بل يستنزفه عامًا بعد عام حتى يضعف جسده وتخور قواه.
ومع ذلك، يبقى الوطن قادرًا على النهوض كلما وجد أبناءً يؤمنون به أكثر مما يؤمنون بمصالحهم، ويجعلون انتماءهم له فوق كل انتماء آخر.
في حب الوطن لا مجال للمزايدة، لا أحد يحتكر الوطنية، ولا أحد يملك صكوك الانتماء، وإنما يتنافس الشرفاء في خدمة أوطانهم، ويتبارون في التضحية من أجلها، لأن الوطن لا يغادر القلب إلا إذا فارق القلب الحياة.
الوطن ليس خطوطًا على خريطة، ولا نشيدًا يُردد في المناسبات، ولا علمًا يُرفع في الاحتفالات فقط، الوطن نبضٌ يسكن القلوب، ومسؤولية تُحمل على الأكتاف، وعهدٌ بين الأجيال.
سيبقى الوطن، ويرحل الجميع، وستظل قيمة الإنسان بما يتركه لوطنه، لا بما يأخذه منه، فمن كانت جذوره ضاربة في تراب وطنه، لن تقتلعه عواصف الأيام، لأن العلاقة بين الإنسان ووطنه ليست علاقة إقامة… بل علاقة حياة.













