صعب جدا جدا، وجدا، أن نطلب من الآباء والأمهات اليوم أن يكونوا مثاليين، لأن الواقع المفروض والجاثم على البيت الآن فوق طاقة كل البشر، حيث يجد الأب والأم أنفسهم فجأة وبدون مقدمات وسط معركة يومية طاحنة تبدأ من لحظة الاستيقاظ من النوم وتبقى ممتدة حتى وهم نائمون.. معركة تدور رحاها على جبهتين مختلفتين تماما ولكنهما للأسف يلتهمان الطاقة نفسها.
وتبدأ منغصات اليوم من الجبهة الأولى وهي جبهة الجري المتواصل سعيا لتأمين أساسيات الحياة للأسرة، حيث تحول التفكير في مصاريف المدارس ومصاريف الدروس، بالإضافة إلى تكلفة السلع البسيطة، إلى هم ثقيل ينحت في الوقت وفي الصحة، ويجبر الآباء على قضاء ساعات طويلة خارج المنزل، أوالاستغراق في التفكير والقلق حتى وهم جالسون بالبيت مع الزوجة والأبناء.
وهذا الغياب الاضطراري، سواء كان غيابا بالجسد نتيجة العمل الإضافي أو غيابا عقليا نتيجة الهموم المادية التي باتت من أهم مكونات الأمراض النفسية والجسدية، فتح الباب على مصراعيه للجبهة الثانية التي دمرت الأخضر واليابس، وهي جبهة الغزو الرقمي الصامت، حيث استغلت الشاشات والهواتف الذكية هذا الفراغ لتصبح هي المربي والبديل الجاهز للأبناء وكثير من الزوجات.
وتعيد تشكيل عقولهم وقيمهم، وتغريهم بعزلة مظلمة افتراضية مرعبة تفصلهم بشكل تام عن الواقع المعاش لعائلاتهم وتصنع فجوة جيلية حادة تجعل الكلام بين الابن وأبيه أشبه بحوار بين لغتين وثقافتين متباعدتين ولا تلتقيان إلا في حالة واحدة فقط وهى حالة مرض أو ضياع الابن.
والأزمة الكبرى هنا يا عزيزي القارئ هي أن الجبهتين تتغذيان بشكل تام ومرعب على بعضهما ، خصوصا أن الضغط المادي المستمر يترك الآباء في حالة من العصبية وعدم القدرة على التواصل النفسي، ويتحول الأمر إلى صراخ داخلي واتهام نفسه لنفسه بأن فشل في تربية أولاده، ويتحول البعض أحيانا إلى السلبية ويفقد القدرة على طاقة الاحتمال والمناقشة أو تقديم الدعم العاطفي والتربوي.
وفي نفس الوقت، الأبناء منغمسون في عالمهم الافتراضي الذي يملأ عقولهم بمقارنات تفوق قدرة أسرهم المادية، وهو ما يدفع إلى تحول البيوت من مساحات دافئة للسكينة إلى ساحات مشحونة بالتوتر العائلي واللوم المتبادل، ويعلو صوت الأبناء متهمين الأب بأنه أب فاشل ولم يؤمن لهم حياة مريحة مثل فلان والد زميل لهم.
ولمواجهة هذا الوضع المشين والمعقد دون إفراط في التوقعات الخيالية، أولا نحتاج إلى حلول عقلانية تبدأ بكسر حائط الصمت والإنكار داخل الأسرة، وذلك من خلال تبني لغة مصارحة بسيطة وذكية مع الأبناء حول الواقع المادي الفعلي للأسرة.
على أن يكون ذلك بعيدا عن الشكوى وتصدير الهموم لهم، ولكن بهدف إشراكهم بوعي ليفهموا أولويات البيت ومواجهة ثقافة الاستهلاك والمظاهر التي تفرضها الشاشات، وهو ما يبني في داخلهم النضج المبكر ويخفف العبء النفسي عن كاهل الآباء والأمهات.
وأهم جانب هو عدم مواجهة التحدي الرقمي بالمنع والقمع، لأن هذا التحدي يولد الانفجار، ولكن العلاج يتطلب ذكاء في إدارة الوقت، وهو يبدأ باتفاق عائلي حاسم على تخصيص ساعتين على الأقل كل يوم خاليتين تماما من الهواتف لكل أفراد الأسرة، تُستغل في استعادة الحوار الإنساني العادي، ومشاركة تفاصيل اليوم الصغير، والإنصات الحقيقي لمخاوف الأبناء وما يمرون به في عوالمهم الخاصة.
نحن بحاجة ملحة إلى مجهود جمعي مساند من المدارس والمراكز الثقافية ينحصر دوره في أن يقدم للآباء والأمهات دليلا عمليا ومبسطا عن كيفية حماية أولادهم رقميا دون تشنج، مع توفير مساحات وأنشطة ترفيهية بسيطة وغير مكلفة تعيد من جديد جمع كل أفراد العائلة ماديا ومعنويا، لأن الصمود اليوم لا يعني بالضرورة حل كل المشاكل بكبسة زر، بل يعني بوضوح ألا نسمح لضغوط الحياة بأن تسرق منا الدفء الإنساني الذي قامت عليه الأسرة المصرية.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













