منذ سنوات طويلة، ترسخت في أذهاننا صورة واحدة للحب والزواج؛ رجل يبحث، ورجل يسأل، ورجل يتقدم، بينما تقف المرأة في منطقة الانتظار، تترقب القرار وتنتظر المبادرة، حتى أصبح الأمر وكأنه قانون غير مكتوب، لا يجوز الاقتراب منه أو مناقشته
لكن دعونا نسأل أنفسنا بصدق: من الذي وضع هذا القانون؟ ولماذا أصبح التعبير عن رغبة المرأة في الزواج أمرًا يثير الدهشة أو الجدل، بينما يُنظر إلى المبادرة نفسها من الرجل باعتبارها أمرًا طبيعيًا؟
الحياة تغيرت، والمرأة تغيرت، وطريقة التفكير تغيرت أيضًا، لم تعد المرأة مجرد متلقية للقرارات، بل أصبحت شريكًا كاملًا في صناعة مستقبلها واختيار تفاصيل حياتها، تتعلم، وتعمل، وتنجح، وتتخذ قرارات مصيرية كل يوم، فكيف يُسمح لها باتخاذ أصعب القرارات المهنية والحياتية، ثم يُطلب منها أن تصمت عندما يتعلق الأمر باختيار شريك العمر؟
الحقيقة أن كثيرًا من النساء مررن بتجارب مؤلمة بسبب هذا الصمت المفروض. بعضهن التقت برجل يحمل من الصفات ما يجعله شريكًا مناسبًا للحياة؛ أخلاق محترمة، عقل راجح، شخصية متزنة، وقدرة على تحمل المسؤولية، لكنها فضلت الصمت خوفًا من نظرة المجتمع أو تعليق عابر من شخص لا يعرف شيئًا عن ظروفها أو مشاعرها
مرت الأيام، وتزوج الرجل من أخرى، وبقي السؤال يؤلمها: ماذا لو تكلمت؟ ماذا لو منحت نفسها فرصة واحدة فقط للتعبير عما تريده؟
المشكلة أن البعض يخلط بين المبادرة وبين التنازل عن الكرامة، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا، فالمبادرة ليست ضعفًا، كما أن الصمت ليس دائمًا قوة، المبادرة قد تكون أحيانًا أعلى درجات الثقة بالنفس، فالإنسان الواثق لا يخجل من التعبير عن رغباته المشروعة، ولا يشعر أن قيمته مرتبطة بقبول الآخرين أو رفضهم
المرأة التي تعبر عن رغبتها في الارتباط برجل مناسب لا ترتكب خطأ، ولا تفقد أنوثتها، ولا تنتقص من مكانتها، هي فقط تعلن موقفًا واضحًا تجاه شخص ترى فيه مواصفات الشريك الذي تتمناه، أما القرار النهائي، فهو حق للطرفين معًا
والأجمل من ذلك أن الرجال أنفسهم ليسوا جميعًا كما يتخيل البعض. فالكثير من الرجال يحترمون المرأة الصريحة والواضحة أكثر من تلك التي تعتمد على التلميحات الغامضة أو الألعاب النفسية، الرجل الناضج يدرك أن الوضوح يوفر الوقت والمشاعر ويكشف النوايا الحقيقية منذ البداية،
لكن كيف يمكن للمرأة أن تبادر؟ ليس بالاندفاع، وليس بمطاردة المشاعر، وليس بالتخلي عن وقارها واحترامها لنفسها، المبادرة الحقيقية تبدأ بالتأكد من حسن الاختيار أولًا. فليس كل إعجاب مشروعًا للزواج، وليس كل رجل مناسبًا لبناء أسرة مستقرة.
بعد ذلك يأتي التعبير الراقي الذي يحفظ الكرامة ويعكس الجدية، قد يكون عبر الأسرة، أو من خلال شخصية موثوقة، أو بطريقة مباشرة ومحترمة إذا كانت الظروف تسمح بذلك الهدف هنا ليس الحصول على إجابة معينة، بل منح الفرصة للحقيقة كي تظهر.
فإذا كان الرجل مناسبًا ويرغب في الارتباط، فسيقدر هذه الشجاعة ويحترمها، وإذا لم يكن مناسبًا أو لم يكن راغبًا، فمعرفة الحقيقة مبكرًا أفضل من سنوات من الانتظار والأوهام
كم من امرأة أهدرت سنوات من عمرها في تفسير نظرة أو رسالة أو موقف عابر، بينما كان سؤال واضح واحد كفيلًا بحسم الأمر كله؟ الحياة أقصر من أن تُعاش في دائرة التخمين
ومن الظلم أن تتحول مشاعر الإنسان إلى سجين دائم للخوف من كلام الناس. فالمجتمع الذي ينتقد اليوم سينشغل غدًا بقصة أخرى، أما العمر الذي يضيع فلن يعود مرة ثانية
ولعل أجمل ما يمكن أن تدركه المرأة هو أن قيمتها لا تتحدد بمن يتقدم إليها، ولا بعدد من يطلبون الزواج منها، ولا بسرعة حدوث الارتباط. قيمتها الحقيقية تنبع من شخصيتها وأخلاقها وعلمها واحترامها لنفسها
لذلك فإن المبادرة لا تعني البحث عن الاعتراف بالقيمة، بل تعني ممارسة حق طبيعي في الاختيار
في النهاية، الزواج ليس مسابقة يفوز فيها من يبدأ بالكلام أولًا، وليس معركة بين رجل وامرأة حول من يطرق الباب قبل الآخر. الزواج الناجح يبدأ عندما يجد شخصان أن كلًا منهما يرى في الآخر شريكًا يستحق المشاركة والثقة والاحترام
لهذا، ربما حان الوقت لإعادة النظر في كثير من الأفكار القديمة التي جعلت المرأة تخشى مجرد التعبير عن رغبتها في حياة مستقرة وسعيدة
فليس السؤال الحقيقي: هل يحق للمرأة أن تطلب الزواج من الرجل؟ السؤال الأهم هو: لماذا نخاف من الصراحة أكثر مما نخاف من ضياع الفرص؟
وربما كانت بعض أجمل قصص الزواج في هذا العالم هي تلك التي بدأت بكلمة شجاعة قالتها امرأة آمنت بحقها في الاختيار، واحترمت نفسها بما يكفي لتعبّر عما تريد دون خوف أو تردد
فالقلوب الصادقة لا يهمها من بدأ الحديث أولًا، بل يهمها أن يكون الحديث صادقًا، وأن تكون النوايا واضحة، وأن تكون النهاية بيتًا يجمع روحين اختارتا بعضهما عن اقتناع ومحبة واحترام.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














