المواطن لا يطلب معجزة، يريد خدمة تصل في موعدها، وموظفًا يسمعه، ومسؤولًا يعرف حدود مسؤوليته، وقرارًا واضحًا لا يحتاج إلى واسطة لفهمه أو تنفيذه.
لكن شيئًا ما تغير، أصبح المواطن في مواقف كثيرة كأنه يجلس في غرفة انتظار واسعة، لا يعرف متى يأتي دوره، ولا من سينادي اسمه، ولا حتى إن كان ملفه وصل إلى الشخص الصحيح.
ينتظر في مصلحة حكومية، وفي مستشفى، وفي بنك، وفي طابور، وينتظر أمام شكوى قديمة لم تجد طريقها إلى الحل، والانتظار هنا لم يعد مجرد دقائق ضائعة، إنه وقت من عمر المواطن.
بين المكتب والشارع، هناك فارق كبير بين أن ترى المشكلة من مكتب مكيف، وأن تعيشها في الشارع، الأوراق تبدو بسيطة على المكتب، لكنها قد تعني يومًا كاملًا من عمر مواطن.
الإجراء الذي يبدو عاديًا في تقرير إداري، قد يعني مواصلات ووقتًا ومالًا وربما يوم عمل ضائعًا بالنسبة لإنسان يحسب دخله بالجنيه، لهذا لا يكفي أن تكون القرارات صحيحة على الورق.
المعيار الحقيقي هو، ماذا يحدث عندما تصل إلى الناس؟ البيانات لا تكفي
في كل مرة تظهر مشكلة، تظهر معها التصريحات، أرقام، وخطط، وتوجيهات، واجتماعات، ولجان، لكن المواطن في النهاية لا يأكل البيانات.
هو يريد أن يرى أثرها في حياته، يريد مدرسة تعمل بكفاءة، ومستشفى يستقبله، ومصلحة تنجز معاملته، وطريقًا آمنًا، وخدمة لا تجعله يشعر بأنه يطلب معروفًا.
الدولة لا تخسر ثقة الناس بسبب خطأ واحد، الثقة تتآكل عندما يتكرر الفارق بين ما يسمعه المواطن وما يراه.
السؤال الذي يطارد المواطن دائمًا، من المسؤول؟ وعندما يبدأ رحلة البحث عن الإجابة، قد يجد نفسه ينتقل من مكتب إلى مكتب، ومن جهة إلى جهة، حتى تنتهي المشكلة أحيانًا قبل أن يجد صاحب القرار.
وهنا لا تعود المشكلة مشكلة موظف، إنها مشكلة إدارة، فالمنظومة التي لا تحدد بوضوح من يملك القرار، ومن يتحمل المسؤولية، ومن يحاسب عند التقصير، تترك المواطن في منتصف الطريق.
الأخطر أن الحل الأسهل غالبًا هو البحث عن شخص يُحمّل المسؤولية، مدير مدرسة، موظف، طبيب، عامل، رئيس مصلحة، لكن هل عالجنا أصل المشكلة؟
إذا كان هناك نقص في العمالة، أو عجز في الإمكانات، أو خلل في الإجراءات، فإن معاقبة الموظف الذي اصطدم بالمشكلة لن تمنع تكرارها.
المحاسبة مهمة، نعم. لكن المحاسبة الحقيقية تبدأ من أعلى نقطة تملك القدرة على منع الخطأ، وليس من آخر شخص ظهر في المشهد.
المواطن لا يحتاج إلى مسؤول يتحدث كثيرًا، يحتاج إلى مسؤول يسمع كثيرًا، لا يريد أن تتحول شكواه إلى معركة، ولا أن يضطر إلى نشرها على مواقع التواصل حتى يلتفت إليها أحد.
يريد أن يعرف أن هناك طريقًا طبيعيًا للحصول على حقه، وهذه ليست رفاهية، إنها واحدة من أبسط علامات الإدارة الرشيدة.
اخرجوا المواطن من غرفة الانتظار، السياسة في النهاية ليست خطبًا فقط، السياسة هي أن يشعر المواطن بأن القرار الذي يصدر في العاصمة يصل إليه في القرية، وفي الحي، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي مكان عمله.
أن يشعر أن الدولة موجودة عندما يحتاج إليها، لا فقط عندما تصدر بيانًا، فالمواطن يستطيع أن يتحمل ظروفًا صعبة إذا شعر أن هناك عدلًا ووضوحًا واحترامًا لعقله.
لكن أصعب ما يمكن أن يشعر به إنسان هو أن مشكلته لا تعني أحدًا، ولهذا فإن المطلوب ليس بيانًا جديدًا عن سرعة الاستجابة، المطلوب أن تتوقف الدولة عن جعل المواطن يثبت كل يوم أنه يستحق أن يُسمع.
المواطن ليس ملفًا ينتظر توقيعًا، وليس رقمًا في كشف، وليس صورة في تقرير، إنه صاحب الحق الأول في أن يعرف، ويسأل، ويُجاب، ويُعامل باحترام.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن يغضب المواطن مرة، بل أن يجلس طويلًا في غرفة الانتظار، ثم يفقد الأمل في أن يأتي دوره أصلًا.











