في خطوة مفاجئة هزت أروقة الدبلوماسية الإقليمية، استضافت العاصمة الإيرانية طهران أمس الاثنين 26 أكتوبر 2026 اجتماعاً أمنياً هو الأخطر منذ سنوات، جمع ممثلين عن السعودية وإيران وتركيا وباكستان، في أول لقاء من نوعه منذ توقيع “اتفاقية مكة” للدفاع المشترك في أغسطس الماضي.
الوفود كانت على أعلى مستوى: السعودية مثلها وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، وباكستان قائد جيشها المشير عاصم منير، وتركيا رئيس جهاز المخابرات إبراهيم كالين، بينما حضر من الجانب الإيراني الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي.
لماذا الآن؟ وما هي اتفاقية مكة؟
اتفاقية مكة التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان تنص على أن أي اعتداء مسلح على دولة عضو يعتبر اعتداء على باقي الأعضاء. الاتفاق كان يُنظر إليه في طهران كحلف موجه ضدها، خاصة مع تصاعد التهديدات الأمريكية الإسرائيلية بشن حرب جديدة على إيران بعد انهيار وقف إطلاق النار في يونيو الماضي.
لكن الاجتماع كشف نية معاكسة تماماً. بحسب ما نقلته رويترز ووزارة الخارجية السعودية، الهدف المعلن هو «خفض التصعيد وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية» و«منع عودة التصعيد العسكري في المنطقة».
الأهم في تصريحات محسن رضائي بعد الاجتماع: «خلصنا إلى اتفاق على أن أمن المنطقة التي نعيش فيها ينبغي أن ينبع من داخلها، أي أن تحققه دول المنطقة نفسها، وأن علينا منع أي نوع من التدخل الأجنبي في هذه المنطقة». وهي رسالة مزدوجة لواشنطن وتل أبيب.
إعادة ترتيب أوراق الخليج
الاجتماع يمثل تحولاً استراتيجياً في مفهوم الأمن الخليجي لثلاثة أسباب:
أولاً: السعودية لم تعد تتحرك تحت المظلة الأمريكية المباشرة فقط. تصريح السفير الأمريكي في تركيا توم باراك الأسبوع الماضي في منتدى الدوحة كان صريحاً: «الولايات المتحدة لم تعد قادرة على ضمان أمن دول الخليج إلى أجل غير مسمى». السعودية فهمت الرسالة وقررت بناء تحالف إقليمي بديل مع قوتين لهما حدود مباشرة مع إيران (تركيا وباكستان).
ثانياً: إيران تلوح بورقة مضيق هرمز. طهران أعلنت أنها ستفرض رسوم مرور على ناقلات النفط في حال تعرضت لهجوم جديد، وهددت باستهداف البنية التحتية المدنية لدول الخليج رداً على أي هجوم. هذا التهديد الوجودي دفع الرياض للجلوس مباشرة مع طهران.
ثالثاً: دخول مصر على الخط. في نفس يوم اجتماع طهران، وافق البرلمان المصري على تفويض الرئيس لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن المملكة من أي اعتداءات خارجية، في إشارة واضحة أن القاهرة تراقب تشكيل نظام أمني خليجي جديد ولا تريد أن تكون خارجه.
وماذا عن اليمن؟
الملف اليمني كان حاضراً بقوة على الطاولة. منذ انهيار الهدنة التي كانت سارية منذ 2022 في يوليو الماضي، صعد الحوثيون هجماتهم بالصواريخ والمسيرات على مطارات ومنشآت نفطية سعودية، في محاولة للضغط على الرياض ضمن الحرب الأكبر بين إيران وأمريكا.
الاجتماع الرباعي هو محاولة لفصل المسارين: تحييد الجبهة اليمنية عن الصراع الأمريكي الإيراني. السعودية تريد وقف الهجمات الحوثية دون الانجرار لحرب استنزاف جديدة في اليمن، وإيران تستخدم الحوثيين كورقة تفاوض مع واشنطن.
مشاركة باكستان كوسيط ليست صدفة. إسلام أباد لها علاقات ممتازة مع الرياض وطهران وواشنطن في نفس الوقت، وقاد جهود وساطة مع قطر خلال الأشهر الماضية. وتركيا أيضاً تسعى لدور إقليمي دون تحمل كلفة مواجهة مباشرة.
الخلاصة: فرصة أخيرة قبل الانفجار
هل نحن أمام تفاهم إقليمي جديد أم مجرد محاولة لمنع الحرب؟
المؤشرات تقول أن الاجتماع هو «حسابات الفرصة الأخيرة» كما وصفته صحيفة العرب اللندنية. الدول الأربع اتفقت على مواصلة الحوار لتعزيز التعاون في مجالي السلام والأمن.
إذا نجحت هذه القناة، قد نرى:
1- اتفاق تهدئة في اليمن يوقف استهداف السعودية مقابل تخفيف الضغط السعودي.
2- صيغة أمن خليجي جديدة عمادها “الأمن من داخل المنطقة” وليس من القواعد الأمريكية.
3- رسالة موحدة لواشنطن وتل أبيب أن أي حرب جديدة على إيران ستعزل الجميع وليس إيران وحدها.
أما إذا فشل، فالمنطقة مقبلة على تصعيد عسكري خطير بعد الانتخابات الإسرائيلية غداً والانتخابات النصفية الأمريكية الأسبوع المقبل، والتي يخطط فيها الأمريكيون والإسرائيليون لضربات جديدة.
اجتماع طهران ليس نهاية الصراع، لكنه أول مرة تجلس فيها أطراف اتفاقية مكة مع خصمها المفترض على طاولة واحدة. وهذا وحده.. تحول تاريخي.












