في لحظة فارقة من عمر الوطن، وبينما ننشغل جميعًا بتطوير البنية التحتية، وتنفيذ مشروعات قومية عملاقة، يبدو أن البنية الأهم – الإنسان المصري نفسه – تتآكل بصمت.
فما جدوى كل ما نبنيه إذا كانت القيم تتهاوى، والانضباط غائب، والانتماء يضعف جيلاً بعد جيل؟ وما جدوى التعليم إذا غاب عنه جوهره التربوي، وانحصر في أوراق وامتحانات وأرقام؟
الواقع المؤلم الذي نشهده في مدارسنا – من عنف متبادل، وسلوكيات مقلقة، وتدهور في لغة الحوار والاحترام – ليس إلا مرآة تعكس انسحاب وزارة التعليم تدريجياً من دورها الأصيل «التربية».
وإذا كان ذلك الدور قد تآكل لأسباب إدارية أو مجتمعية، فإن الوقت قد حان لمواجهة الأمر بقرار شجاع، وهو استحداث وزارة مستقلة للتربية.
وزارة لا تكون مهمتها نسخ المواعظ من الكتب، بل رسم سياسة وطنية لغرس القيم والفضيلة في عقول الأجيال.
وزارة تعمل بشراكة استراتيجية مع الأزهر الشريف والكنيسة، لتقديم منهج أخلاقي معتدل، بعيد عن التنميط والتشدد، وبتعاون مع كليات الهندسة والتكنولوجيا لوضع رؤى تربوية تتماشى مع العصر، وتوظف الأدوات الرقمية والفنية لتشكيل الوعي بطرق حديثة تصل إلى عقول الشباب.
وزارة التربية المنشودة يجب ألا تكون انعزالاً بيروقراطياً جديداً، بل قلب نابض في جسم الدولة، تنسق مع وزارات التعليم، والثقافة، والتنمية المحلية، وتلعب دورًا موازيًا في ديوان كل وزارة، فتُسهم في تهذيب الأداء العام داخل مؤسسات الدولة، وتُربي الموظف قبل الطالب.
هي وزارة شراكة لا وصاية، مهمتها الأساسية دعم الأسرة المصرية، ومواجهة الانهيار القيمي الذي لا تُجدي معه الحلول الفردية، ولا ينفع معه الصمت أو التراخي.
إن هذه المبادرة لا تمس التعليم وحده، بل تمس أمننا القومي على المدى البعيد، فبناء الإنسان هو المشروع الأول والأبقى لكل أمة تطمح للنهضة.
وقد علمتنا التجربة أن كل تقدم حقيقي يبدأ من داخل النفس، وأن المعادلات الهندسية والاقتصادية لا تُثمر وحدها إلا إذا كان حاملها إنسانًا راقيًا، منضبطًا، مؤمنًا بالحق والواجب. وهذا ما يجب أن تؤسس له وزارة التربية.
باختصار.. إن إنشاء وزارة للتربية ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة وطنية. وقد يكون القرار اليوم شاقًا، لكنه غدًا سيكون الحصن الأخير الذي نحتمي به من فوضى السلوك، وضياع الهوية، وتراجع الانتماء. فهل نبدأ الآن، قبل أن يصبح الإصلاح مستحيلاً؟













