الهروب من الواقع لم بعد حالة طارئة أو تصرفًا ملفتًا للنظر، بل بات ممارسة يومية هادئة ومقبولة بامتياز، في عصر يغرق في زحام التوتر وتسارع الإيقاع.
الهروب الصاخب الذي كان يمثل تمردًا أو فشلًا في مواجهة الواقع، اختفى من واقعنا، لتحل مكانه طريقة جديدة، مغلّفة بالأناقة، وأقل إثارة للجدل، لكنها في كثير من الأحيان أكثر خطورة.
الهروب التقليدي كان يحتاج إلى البعد الجسدي عن المكان أو القطيعة مع المحيط.. والآن تبدلت الأحوال مع عصر التكنولوجيا، ويكفي وجود شاشة صغيرة بين يديك، تنقلك عبر عوالم افتراضية مختلفة بضغطة زر.
ثوان معدودة، فد تتحول لدقائق قليلة أو تمتد إلى ساعات طويلة من الغرق في محتويات متجددة، تستهلكك بهدوء، حتى تجد في نهاية اليوم أنك مررت بالساعات في رحلة الهروب دون أن تعيشها.
الهروب التكنولوجي ليس مجرد تسلية، بل هو عرض جانبي لمسار أعمق في تعاملنا مع أنفسنا ومع الحياة بوجه عام، فقد تحول الهروب إلى استجابة تلقائية نلتجأ إليها بشكل غريزي كلما شعرنا بالضيق أو الإجهاد، ضغوط العمل، توتر العلاقات، تراكم المسؤوليات التي نخشى مواجهتها، أو حتى إحساس الفراغ الذي لا نجد طريقة لملئه، سوى بالهروب الكبير.
بين الحاجة الفطرية لتنفس الضغوط وبين الغرق في التجنب المستمر للواقع خيط رفيع، شعرة تفصل بين منح أنفسنا استراحة مستحقة وبين التورط في نمط يومي من الهروب المتكرر الذي يستهلك وقتنا ووعينا، دون أن ندرك مدى تأثيره السلبي فينا، وأضراره الجسيمة التي تعود بالضرر العام على المجتمع بأكمله.
المخيف في هذا النمط الجديد من الهروب الذي لم يكن متعارف عليه لسنوات قليلة مضت، أنه لا يترك أثرًا مرئيًا فورياً، لا نرى خسائر واضحة أو كوارث مفاجئة تنبهنا بخطورة ما نفعل.
كل ما يحدث هو إنقاص تدريجي لرصيد الطاقة والاهتمام والشغف، ومع مرور الوقت، تضيع الأهداف، تتلاشى الرغبة في الإنجاز، ويبقى كل شيء معلقًا بين الوجود والغياب.
مرحلة المصالحة مع النفس تبدأ بسؤال صريح، إلى أين يقودنا هذا السلوك؟ هل الوقت الذي نقضيه مسجونين خلف الشاشات هو مجرد استراحة قصيرة نحتاجها حقًا، أم أنه غطاء رقيق يُغطي انسحابًا أعمق من حياتنا ومسؤولياتنا؟
الإجابة على هذا السؤال قد تعيد ترتيب المعادلة بين أن نحيا أيامنا بوعي وتجدد.. أو أن نكتفي بمرورها عابرة دون أن تحمل معنى حقيقيًا.













