لم يعد المواطن مواطنًا بالمعنى القديم للكلمة، بل تحول إلى «خدمة متاحة» للحكومة عند الحاجة، مهما كانت الظروف، ومهما ارتفع أنينه وزادت صرخاته، فإنه فرد ضمن شعب يعمل في خدمة الحكومة.
أصبح المواطن هو العلاج المتاح لكل الأزمات، والمسكن الفوري للإخفاقات الحكومية، تحتاج الدولة أموالًا؟ افتح جيب المواطن، تبحث عن مخرج لأزمة؟ حمّل المواطن الفاتورة، ترتفع الديون؟ المواطن جاهز للسداد حتى لو كان لا يجد قوت يومه.
المواطن هنا لم يعد شريكًا في وطن، بل ماكينة تحصيل متنقلة، مطلوب منه أن يدفع وهو صامت، وأن يتحمل وهو مبتسم، وأن يشكر الحكومة لأنها ما زالت تسمح له بالتنفس مجانًا، وأنه مازال على قيد الحياة حتى الآن.
كل صباح يبدأ المواطن يومه كمن يدخل امتحانًا جديدًا في البقاء، فاتورة كهرباء تتوحش، غاز يلتهم الراتب، مياه تُحاسبك وكأنك تروي الصحراء الكبرى، وأسعار لا تصعد فقط، بل تقفز بسرعة الصاروخ فوق قدرة البشر، حتى رغيف العيش صار ينظر إلى الفقير باستعلاء، على طريقة «كُل وأشكر».
الحكومة، بكل براعة، اكتشفت الحل السحري لعلاج أي إخفاق اقتصادي:
«المواطن يدفع»، لا أحد يسأل أين ذهبت الوعود، ولا لماذا تتكرر الأزمات، ولا كيف تحولت الخطط الاقتصادية إلى نشرات تخويف يومية.
المهم أن هناك مواطنًا ما يزال حيًا، ولديه القدرة على العطاء تحت أي ضغط، وبالتالي يمكن تحصيل المزيد منه.
الأغرب أن المواطن نفسه صار متهمًا بالتقصير، لأنه لم يعد قادرًا على الاحتمال، إذا اشتكى قالوا جاحد، وإذا صمت قالوا متفهم، وإذا غضب قالوا لا يقدر حجم التحديات.
أما المسؤول الحقيقي عن الفوضى الاقتصادية، فيجلس في المؤتمرات يشرح للمواطن أهمية «الصبر»، بينما المواطن لم يعد يملك إلا أعصابه المنهكة أصلًا.
لقد تحول المواطن إلى مشروع جباية دائم، يدفع حين يفكر في الحصول على أربعة جدران تأويه بعد عجزه عن الحصول على إحدى شقق الدولة المليونية، والتي تحتاج إلى أن يحوش مرتبه إن كان يعمل لأكثر من 400 عام للحصول عليها، إذا ضمنا له طول العمر واستقرار الأسعار!.
يدفع حين يركب المواصلات، ويدفع حين يأكل، ويدفع حين يمرض، ويدفع حتى وهو يحاول الهروب من الضغط بشراء كوب شاي على مقهى شعبي.
الدولة لم تترك جيبًا إلا وطرقت بابه، وكأنها تخوض حربًا اقتصادية ضد الطبقة التي لم يعد لديها أصلًا ما تخسره، وفي النهاية، يخرج المسؤول ليقول بثقة: «المواطن يتحمل من أجل الوطن»، وكأن الوطن أصبح شركة متعثرة، والمواطن هو المستثمر الوحيد المطلوب منه ضخ الأموال بلا أرباح وبلا حق في السؤال.
هكذا صار المواطن في بلادنا، «تحت الطلب.. دائمًا» مطلوب للدفع، مطلوب للصبر، مطلوب للتضحية، ومطلوب أيضًا أن يصفق بعد كل ذلك باعتبار ما يحدث له «إنجازًا تاريخيًا».













