عرف المصري منذ آلاف السنين، إيقاع المواسم، تلك التي شكلت جزءًا من حياته اليومية وحددت معالم مستقبله، موسم الفيضان كان يبشر بالخصب، والحصاد بالرزق، بينما كانت مواسم التجارة والسفر تفتح له آفاقًا جديدة.
ورغم هذه الدورات الطبيعية التي شكلت حياة المصري القديم، لا أحد منهم كان يتوقع أن يصبح هو ذاته موسمًا في حسابات الدولة الحديثة؛ يُستدعى عند الحاجة للتصفيق أو التحمل، ويُنسى معظم الوقت وسط معركة الغلاء والبحث عن قوت يومه.
المواطن الذي كان محورًا لحضارات نُقشت على جدران التاريخ، أصبح في وقتنا الحالي يظهر كضيف موسمي على ساحة الوطن، تتذكره الحملات الإعلامية وقت الانتخابات، وتكتشفه التصريحات الرسمية عند ظهور الأزمات الكبرى، وعندما ينتهي الدور المناط به، يعود إلى الظل، حيث يظل يكافح وحيدًا في مواجهة متطلبات الحياة التي تتزايد بلا هوادة.
أصبح حاله يشبه العامل المؤقت في مؤسسة لا تقدّر جهوده إلا عند الحاجة، يُكبرون وعيه فقط أثناء خطاب تعبوي، بينما يتغافلون عن صرخاته الصامتة وهو يعد قروشًا لا تكفي للقوت ولا للطوارئ.
المواطن البسيط الذي يُشاد بصبره في موسم الغلاء، يُتهم في ذات الوقت بالإسراف وعدم الفهم، وكأن عبء الوطن بأكمله وُضع بلا سبب واضح على عاتقه وحده.
الواقع أن المواطن لا يطلب أكثر مما يستحق حياة بسيطة تحفظ كرامته وإنسانيته، لا يحلم بقصور شاهقة ولا امتيازات خرافية؛ فقط يريد أن يشعر بالأمان وهو يواجه المرض، والراحة وهو يؤمن مستلزمات عائلته، يريد وطنًا يشعر به وهو حي، بدلًا من أن تتحول حياته إلى قائمة طويلة من الأرقام والفواتير التي تستنزف طاقته وأحلامه.
مأساة المواطن لم تعد فقط في مواجهة الأزمات المتعاقبة، بل في كونه الحل الوحيد الذي تستدعيه الدولة لكل فجوة أو قرار مفاجئ، جيبه المفتوح بات السد الأول للعجز الاقتصادي، ومع ذلك يبدو بعيدًا عن اعتبار شريك فعلي في القرارات التي تؤثر على حياته اليومية، حتى اللغة الرسمية تخلت عن أي تعبير يحمل ملامح إنسانية، لتُختصر العلاقة بين المواطن والدولة بعبارات مثل «مستهلك»، «دافع رسوم»، أو «صاحب عداد».
ورغم كل هذا، تتجسد أعظم مشاهد البطولة في قدرته على الاستمرار، إنه ذلك الإنسان الذي يضحك من شدة الألم، ويسخر من مأساته حتى لا تهزمه الحياة، يحمل قلبه حبًا لوطنه رغم ما يثقل أكتافه من هموم، وربما هنا تكمن المفارقة الأليمة، المواطن الأكثر إخلاصًا هو أقل من يشعر بالأمان داخل حدود وطن أحبه بعمق.
المواطن الموسمي لا يريد ظهورًا مؤقتًا في خطط الدولة، يريد وطنًا يحتضنه كإنسان طوال الوقت، يمنحه الكرامة ويشعره أنه أكثر من مجرد رقم في سجلات التحصيل أو حملات التصويت، إنه يتمنى أن يجد نفسه موضع الاهتمام وهو على قيد الحياة، قبل أن ترهقه الحياة بمآسيها المتوالية.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














