في ظل أحلام الماضي التي كانت تنصب على حياة بسيطة وكريمة، يتساءل المصري اليوم، إلى أين تأخذنا الحياة؟ آمال الأمس كانت أوضح وأبسط؛ بيت هادئ، راتب يكفي الاحتياجات، وطمأنينة تتكفل بأن يعيش الإنسان يومه دون قلق مما قد يحمله الغد.
الواقع الراهن جاء مختلفًا، وأضاف إلى حياة المصريين بندًا لم يكن في الحسبان، فاتورة جديدة تتكرر كل يوم بلا نهاية.
بات المواطن يعيش وسط ماكينة ضخمة لتسديد الفواتير، حيث تبدأ يومياته برسائل المطالب المالية وتنتهي بإشعارات الدفع، كهرباء، مياه، غاز، رسوم مدارس، تكاليف العلاج، مواصلات، وجميعها التزامات تلاحقه دون هوادة.
النتيجة، راتب يتلاشى سريعًا دون أن يترك أثرًا يُذكر، المشهد المؤلم ليس في التفكير بالرفاهية التي أصبحت حلمًا بعيد المنال، بل في الخوف من الأساسيات ذاتها، الخوف من شراء أبسط المواد الغذائية، من الإبقاء على سقف يحمي الأسرة، ومن دفع تكلفة علاج قد ينقذ حياة طفل.
الآمال الكبيرة التي كانت تحاكي الأحلام الوطنية سقطت تدريجيًا، واختزلت طموحات المواطن البسيط في الحفاظ على الحد الأدنى من احتياجاته فقط.
في المقابل، تُغرق الحكومة المواطن في لغة الأرقام والنسب وخطط إصلاح اقتصادي قد تبدو بعيدة عن معاناته اليومية.
يتحدث المواطن بلغة تختلف كليًا؛ لغة الجنيه الذي تبقى في جيبه نهاية الشهر، لغة التساؤل عن الحد الذي يمكن للأسرة أن تتحمله أمام موجة الغلاء المتزايدة.
تغير حتى مفهوم الحرية لدى المصريين؛ لم تعد مرتبطة بالسياسة أو التعبير عن الرأي فقط، أصبحت الحرية أن يتمكن المواطن من دخول متجر دون قلق، أن يدفع فاتورة الكهرباء دون أن يُصدم من المبلغ، وأن يعيش شهراً كاملاً دون الاستدانة من أحد.
المفارقة تكمن في قدرة المصري على التحمل رغم كل الضغط، يواجه القهر بالسخرية، والمآسي بالتماسك الظاهري، لكنه يحمل بداخله ثقل التعب الذي لا يدركه إلا هو نفسه.
كل ما يطلبه المواطن الآن ليس الكثير، هو فقط يريد أن يشعر بالأمان وسط هذه المعركة اليومية التي يصبح فيها البقاء على قيد الكرامة تحديًا أكبر من أي شيء آخر.
يحتاج إلى وطن لا يباغته بالمزيد من الفواتير كل صباح، وإلى حياة تخفف عنه عبء القلق الذي يثقل الروح قبل الجيب.














