الوقف لم يكن يومًا مجرد قطعة أرض أو عقار أو أصل مالي قابل للبيع والشراء والتطوير، كان دائمًا فكرة أكبر من الحجر والشجر، وأبقى من الحسابات والأرباح.
إنه تعبيرًا نادرًا عن رغبة الإنسان في أن يمتد خيره وسيرته الطيبة إلى ما بعد عمره، وأن يترك أثرًا لا ينقطع بموته، فيتحول جزء من ماله إلى صدقة جارية وخدمة عامة وحق دائم للفقراء والمحتاجين وطلاب العلم وأبناء السبيل، أو إلى ما رآه نافعًا في حياته، فاستخار الله واستثمر فيه في حياته أو أوصى به بعد وفاته.
لهذا ارتبطت فكرة الوقف تاريخيًا بالاحترام الكامل لإرادة الواقف، فالذي أوقف أرضه أو بيته أو جزءًا من ثروته لم يفعل ذلك ليصبح المال ملكًا للدولة أو مادة للاستثمار وفقًا لاعتبارات متغيرة، وإنما فعل ذلك تنفيذًا لوصية اختارها بنفسه وحدد وجهتها وأهدافها ومستحقيها.
من هنا تثير التوجيهات الخاصة بحصر أراضي الأوقاف تمهيدًا لطرحها للاستثمار نقاشًا واسعًا يتجاوز الأبعاد الاقتصادية إلى جوهر فكرة الوقف نفسها.
السؤال هنا ليس عن جدوى الاستثمار من عدمه، وإنما عن الحدود الفاصلة بين تنمية أصول الوقف والحفاظ على فلسفته الأصلية التي قام عليها.
الوقف ليس ملكية عامة بالمعنى التقليدي، وليس أصلًا حكوميًا يمكن التعامل معه كما يتم التعامل مع أراضي الدولة الأخرى، إنه مال محبوس على غاية محددة اختارها صاحبه بإرادته الحرة، ولهذا اكتسب عبر القرون مكانة خاصة واحترامًا استثنائيًا في الضمير الديني والاجتماعي.
إذا شعر الناس أن الأوقاف التي يتركونها للأجيال القادمة يمكن أن تصبح يومًا خاضعة لتصرفات لا تتفق بالضرورة مع مقاصدهم الأصلية، فإن ذلك قد ينعكس سلبًا على ثقافة الوقف نفسها، فالثقة هي رأس المال الحقيقي للأوقاف، وعندما تهتز هذه الثقة يتراجع استعداد الناس للتبرع أو التنازل عن جزء من ممتلكاتهم لصالح المجتمع.
لعل أخطر ما في الأمر أن المجتمع المصري في أمس الحاجة اليوم إلى توسيع دائرة المشاركة المجتمعية والعمل الأهلي والتكافل الاجتماعي، لا إلى إثارة المخاوف حول مصير الأموال والأصول التي يوقفها المواطنون ابتغاء الأجر وخدمة الناس.
الواقف يريد أن يطمئن إلى أن وصيته ستبقى مصونة، وأن إرادته ستظل محترمة، وأن ما أخرجه من ملكه لله لن يتحول في المستقبل إلى ملف استثماري يخضع لتقديرات متغيرة.
لا أحد يعارض تعظيم الاستفادة من أصول الوقف أو منع إهدارها أو تطويرها بما يحقق عائدًا أفضل للمستحقين، لكن الفرق كبير بين تطوير الوقف لخدمة أغراضه الأصلية وبين تحويله إلى وعاء استثماري يفقد تدريجيًا خصوصيته التاريخية والشرعية.
إن قوة نظام الوقف عبر مئات السنين لم تكن في حجم أصوله فقط، بل في شعور الناس بأن هناك عهدًا مقدسًا لا يجوز العبث به، وأن وصية الواقف تعلو على المصالح الآنية والاعتبارات المؤقتة.
لذلك فإن الحفاظ على روح الوقف واحترام إرادة أصحابه لا يقل أهمية عن الحفاظ على أصوله نفسها، فالمال يمكن تعويضه، أما الثقة إذا ضاعت فاستعادتها أصعب بكثير.













