لم يعد المواطن المصري في حاجة إلى نشرات الأخبار ليعرف ما ينتظره غدًا، فالمفاجآت الحكومية أصبحت ضيفًا يوميًا لا يغيب.
كل صباح يحمل معه قرارًا جديدًا، ورسومًا إضافية، أو زيادة في سعر خدمة، أو عبئًا آخر يُلقى على كاهل مواطن أنهكته الأزمات حتى بات يتساءل بصدق «الحكومة عايزة آيه؟».
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن الإصلاح الاقتصادي، يجد المواطن نفسه أمام إصلاح من نوع آخر، إصلاح يطال جيبه مباشرة.
الكهرباء ترتفع، والمياه ترتفع، والوقود يرتفع، ورسوم الخدمات لا تعرف سوى طريق الصعود، بينما يظل دخل المواطن ثابتًا أو يتحرك بخطوات أبطأ من سلحفاة عجوز.
المثير للسخرية أن الحكومة تطلب من المواطن الصبر كلما ضاقت به الأحوال، لكنها لا تصبر عليه لحظة واحدة قبل أن تفرض عليه التزامًا جديدًا.
وكأن المواطن أصبح مشروعًا استثماريًا مفتوحًا، كلما احتاجت الخزانة إلى موارد إضافية كان الحل الأسهل هو مد اليد إلى جيبه.
وفي التعليم، يدفع المواطن فاتورة الدروس والكتب والرسوم المتزايدة، ثم يسمع عن تطوير لا يراه إلا في المؤتمرات والبيانات الرسمية.
وفي الصحة، يتحمل أعباء العلاج والدواء والكشف الطبي، بينما تتراجع قدرة المستشفيات الحكومية على استيعاب احتياجاته.
أما في ملف السكن والمعيشة، فأسعار العقارات والإيجارات والسلع الأساسية تسابق أحلام الناس نحو المستحيل.
حتى المستثمر نفسه لم يسلم من حالة الضبابية وكثرة الرسوم والإجراءات، فكيف يُطلب منه التوسع بينما يعاني المواطن من تآكل قدرته الشرائية؟ وكيف ينمو الاقتصاد إذا كان المستهلك الأول يعيش تحت ضغط لا ينتهي؟
والغريب أن الحكومة تبدو دائمًا وكأنها في معركة مع المواطن، لا شريكًا له، المواطن يطلب حياة كريمة، فتأتيه فواتير أعلى، يطلب خدمات أفضل، فتأتيه رسوم جديدة، يطلب مساحة من الأمل، فتأتيه بيانات مطمئنة لا تنعكس على واقعه اليومي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن قدرة المواطن على التحمل، بل عن حدود هذا التحمل، فالدول تُبنى بالتوافق بين الحكومة والشعب، وبالشعور بالعدالة والمشاركة، لا بتحويل المواطن إلى ماكينة دفع لا تتوقف.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي حكومة هو أن تجعل شعبها يتساءل كل يوم ماذا بقي بعد؟ وما القرار القادم؟ ومتى تنتهي سلسلة الأعباء؟
وهنا يعود السؤال البسيط، العفوي، الذي يتردد على ألسنة ملايين المصريين كلما صدر قرار جديد أو ارتفعت فاتورة جديدة أو ضاقت مساحة المعيشة أكثر فأكثر «الحكومة عايزة آيه؟».
أتراها تريد مواطنًا منتجًا قادرًا على العمل والبناء، أم مواطنًا منشغلًا فقط بكيفية النجاة من أعباء يومه؟ فالأوطان لا تُقاس بما تفرضه على شعوبها، بل بما تمنحه لهم من أمل وعدالة وكرامة.
عندما يصبح المواطن هو الحل الدائم لكل أزمة، والممول الوحيد لكل قرار، والمطالب الوحيد بالصبر والتضحية، فمن حقه أن يرفع صوته متسائلًا إذا كنت قد دفعت الثمن كاملًا.. فماذا قدمت الحكومة في المقابل؟
باختصار.. يبدو أن الحكومة لم تعد تنظر إلى المواطن باعتباره شريكًا في الوطن، بل باعتباره ماكينة صراف آلي (ATM) لا تنضب، كلما احتاجت إلى أموال جديدة، ضغطت على زر الرسوم، أو رفعت أسعار خدمة، أو ابتكرت بابًا جديدًا للتحصيل، وكأن جيوب الناس خزائن مفتوحة بلا نهاية.
لكن ما يغيب عن بعض صناع القرار أن لكل ماكينة حدًا أقصى للسحب، وأن هناك يومًا قد يقف فيه المواطن أمام موجات الاستنزاف المتلاحقة عاجزًا عن الدفع، ليأتيهم الرد الذي يعرفه الجميع على شاشات ماكينات الصرف الآلي «لا يوجد رصيد كافٍ»، وعندها لن تكون الأزمة أزمة مواطن فقط، بل أزمة سياسات لم تدرك أن طاقة الناس على الاحتمال ليست بلا حدود.













