ليست كل المحاكم تُقام خلف أبواب القاعات، ولا كل الأحكام تُكتب بالحبر على أوراق رسمية، فهناك محكمة أكبر من أي محكمة، لا يملك أحد إغلاق أبوابها أو تأجيل جلساتها؛ إنها محكمة التاريخ، ومحكمة الرأي العام، حيث لا تنفع الشكوى من قسوة الحكم، ولا يستطيع المتهم أن يطلب نقضه أمام قاضٍ آخر.
في ساحات العدالة الرسمية، قد تطول القضايا، وتتعدد درجات التقاضي، وقد تضيع بعض الحقائق بين ثنايا الإجراءات والثغرات القانونية، لكن التاريخ لا يعرف كل هذه التعقيدات، إنه يحتفظ بالأفعال والنتائج، ويضع كل إنسان في المكان الذي يستحقه، وفق ما قدمه لوطنه ومجتمعه.
أما المحاكم الشعبية، بمعناها السلمي والمدني، فهي صوت الناس عندما تتحول معاناتهم إلى قضية رأي عام، وعندما يصبح الفساد أو الظلم حديث الشارع والضمير الجمعي، وهي ليست دعوة إلى الانتقام أو التشهير أو إدانة الناس بلا دليل، وإنما هي تعبير عن حق المجتمع في الرقابة والمساءلة ورفض الإفلات من المسؤولية.
والفاسد قد يستطيع، لبعض الوقت، أن يختبئ خلف منصب أو نفوذ أو شبكة من المصالح، لكن من الصعب أن يختبئ إلى الأبد من ذاكرة الناس، قد تنتهي مدة المنصب، وتسقط الحصانة السياسية، وتتغير موازين القوة، لكن تبقى السيرة شاهدة على صاحبها.
التاريخ لا يحاكم الأشخاص فقط، بل يحاكم العصور أيضاً، يسأل من وقف مع الحق عندما كان الصمت أسهل؟ ومن استغل السلطة لتحقيق مصالحه؟ ومن رأى الظلم فاختار أن يصمت؟ ومن جعل من موقعه العام وسيلة لخدمة الناس، ومن حوّله إلى وسيلة للثراء والنفوذ؟
ولهذا فإن محكمة التاريخ أشد أثراً من أي عقوبة مؤقتة؛ لأنها لا تطال الشخص وحده، وإنما تطال صورته في ذاكرة الأجيال، وقد يخرج إنسان من قاعة المحكمة حراً بحكم قضائي، لكنه لا يستطيع الحصول على البراءة من ذاكرة مجتمع يعرف ما حدث ويحتفظ بشهادته.
الأخطر من ذلك أن الفساد لا يسرق المال وحده، بل يسرق الثقة، وحين يفقد المواطن ثقته في مؤسسات الدولة، يصبح إصلاح ما أفسده الفساد أكثر صعوبة من استرداد الأموال نفسها.
لذلك فإن مواجهة الفاسدين لا تكون بالشعارات، وإنما بتطبيق القانون، وكشف الحقائق، وحماية المبلغين والشهود، وإتاحة المعلومات، وترسيخ الرقابة والمساءلة.
أما الشعوب، فإن أقوى ما تملكه ليس الغضب، وإنما الوعي، فالشعب الواعي يستطيع أن يحاسب بالكلمة، وبالصوت، وبالموقف المدني، وبالرقابة الديمقراطية، دون أن يتحول إلى قاضٍ أو جلاد.
قد يستطيع الظالم أن يؤجل الحساب، وقد يستطيع الفاسد أن يهرب من عقوبة هنا أو هناك، لكن لا أحد يستطيع إلغاء محكمة التاريخ، إنها المحكمة التي لا تسقط بالتقادم في ذاكرة الشعوب، ولا تتأثر بالمناصب، ولا تخشى النفوذ.
القانون يحكم على الفعل، أما التاريخ فيحكم على صاحبه وسيرته، وقد ينجو البعض من حكم القاعات، لكن من الصعب جداً أن ينجوا من حكم الشعوب والتاريخ.












