هناك مطلع أغنية شعبية جميلة يحنّ إلى الماضي الذي كان فيه الناس «بوشين»، تردد كلماتها قائلة: «وحشونا الناس اللي بوشين».
لكن في حاضرنا نجد أن هؤلاء قد أصبحوا بمائة وجه، حيث باتوا يُتقنون تبديل الأقنعة حسب الظروف والمصلحة، يبتسمون في وجهك ظاهرًا، بينما يطعنوك في ظهرك خفية، يُظهرون دعمهم لك أمامك، بينما من خلفك يقولون للآخرين «إيه اللي بيعمله ده!».
لم يعد لديهم أدنى حرص على الحفاظ على «ماء الوجه»، ذلك التعبير الذي كان رمزًا للشرف والنزاهة في الماضي.
كان الرجل في أيام مضت يفهم جيدًا معنى «ماء الوجه»، ذلك المفهوم الاجتماعي الذي يرفع قدر صاحبه، حيث يتحدث دون الإساءة لأحد، ويتصرّف بما يحفظ كرامة الآخرين حتى لو اختلفت آراؤهم عن آرائه.
ولعل كلمات تلك الأغنية جاءت كنوع من الحنين والترحم على الزمن الذي لم يكن فيه الناس يتجاوزون «الوشين»، واستشهدت بمثل شعبي قديم يقول: «في الوش مراية وفي القفا سلاية».
الأمثال الشعبية، كما يعلم الجميع، ليست مجرد كلمات عابرة، وإنما هي حصيلة خبرات وتجارب أجيال طويلة، ومع ذلك، لا أدري كيف يمكننا استخدام هذا المثل في زمن أصبح فيه الناس ذوي «المائة وجه»، ممن يظنون أنفسهم أذكياء بتعدد وجوههم، ويعتقدون أنهم قادرون على خداع الآخرين بسهولة، بينما ينظرون إليهم على أنهم أقل فطنة ووعيًا!












