لم يكن تصريح خليل الحية، أحد قيادات الصف الأول في حركة حماس، ضد مصر مجرد زلة لسان أو تعبير عن انفعال عابر، بل جاء وكأنه حلقة ضمن سياق سياسي وإعلامي محسوب بدقة، يثير علامات استفهام حول توقيته ومضمونه، ويطرح تساؤلات حول المستفيد الحقيقي من استهداف مصر، في وقت تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى التماسك لا إلى التشرذم.
أولًا: نضال المكاتب المكيّفة
على مدار سنوات، تدرج الحية في مواقع حماس القيادية، لكنه ظل جزءًا من تيار يعتمد على الخطابات النارية من خلف المكاتب المكيّفة، بعيدًا عن ميادين المواجهة الحقيقية.
بينما كان المقاتلون في غزة يواجهون القصف والموت، ظل هو يتنقل بين العواصم، ينسج التحالفات ويدير الصفقات، ويطلق التصريحات التي كثيرًا ما أثارت الجدل.
ثانيًا: شهداء الميدان.. قادة حماس الذين كتبوا تاريخهم بالدم
على عكس نضال المكاتب المكيّفة، يزخر تاريخ حماس بأسماء قادة دفعوا حياتهم ثمنًا لبقائهم في قلب المعركة داخل غزة، من الشيخ أحمد ياسين، مؤسس الحركة، الذي اغتيل وهو خارج من المسجد، إلى عبد العزيز الرنتيسي الذي استهدفته إسرائيل بعد أسابيع.
ومن القادة العسكريين برز أحمد الجعبري، «عقل كتائب القسام»، الذي استشهد خلال حرب 2012.
ويبقى يحيى السنوار، زعيم المكتب السياسي في غزة وأحد أبرز المخططين لهجوم 7 أكتوبر 2023، مثالًا للقائد الميداني الذي بقي داخل القطاع تحت القصف والحصار، حتى استُشهد أثناء اشتباك مسلّح مع القوات الإسرائيلية في رفح في 16 أكتوبر 2024. هؤلاء القادة وغيرهم بقوا في خطوط النار وكتبوا تاريخهم بالدم، على عكس من اكتفى بإدارة المعركة من بعيد.
ثالثًا: تصريحات مسمومة ضمن حملة منظمة
لم تكن تصريحات خليل الحية ضد مصر مجرد رأي شخصي أو رد فعل عابر، بل جاءت كجزء من حملة منظمة ومتزامنة، تشارك فيها جهات محلية وإقليمية ودولية، هدفها الواضح هو النيل من القاهرة وتشويه دورها التاريخي في دعم القضية الفلسطينية.
هذه الحملة، التي تتقاطع مع مصالح أطراف مرتبطة مباشرة بالمشروع الإسرائيلي، تهدف إلى إضعاف مصر وإرباك موقفها، تمهيدًا لتمرير مخططات خطيرة، في مقدمتها تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، وتصفية القضية الفلسطينية عبر فرض أمر واقع جديد على الأرض.
رابعًا: سر هجومه على مصر
من الواضح أن تصريح الحية ضد مصر لا ينفصل عن الخلافات المتكررة بين القاهرة وحماس حول ملفات الحدود، وضبط التهريب، والسياسات الإقليمية. لكن اللافت أن الهجوم جاء في وقت تسعى فيه مصر لجهود التهدئة وإعادة الإعمار، ما يطرح سؤالًا عن الدوافع الحقيقية: هل هي رسالة داخلية لحشد أنصاره؟ أم ضغط على القاهرة لتغيير مواقفها؟ أم مجرد استجابة لإملاءات أطراف أخرى؟
خامسًا: لماذا الآن؟ ولمصلحة من؟
التوقيت يثير الريبة فالهجوم جاء متزامنًا مع تحركات إقليمية لإعادة صياغة التوازنات في غزة، ومع محاولات أطراف إقليمية ودولية تقليص دور مصر كوسيط رئيسي.
هنا يصبح السؤال منطقيًا: من المستفيد من ضرب الثقة بين مصر وحماس؟ المؤكد أن الخاسر الأكبر هو القضية الفلسطينية، التي تتآكل بفعل الانقسامات.
باختصار.. قراءة تصريحات الحية في سياقها الأوسع تكشف أن معارك المكاتب المكيّفة أخطر أحيانًا من معارك الميدان، لأنها تهدد وحدة الصف وتفتح الباب أمام خصوم القضية.
ومصر، بتاريخها ودورها، ستظل حجر الزاوية في أي حل، مهما حاول البعض تهميشها أو التشكيك في مواقفها.













