بمناسبة مرور أكثر من خمسة وثلاثين عامًا على سقوط الاتحاد السوفيتي، ذلك الحدث المفصلي الذي يُعدّ أحد أهم التحولات السياسية والاستراتيجية في القرن العشرين، يعود السؤال من جديد: ماذا بقي من دروس انهيار إحدى أعظم القوى العظمى في التاريخ الحديث؟
فقد أنهى سقوط الاتحاد السوفيتي حقبة الحرب الباردة التي استمرت قرابة نصف قرن، وأفضى إلى استقلال خمس عشرة جمهورية كانت تشكل بنيانه الاتحادي، كما أعاد رسم خريطة النفوذ الدولي، وكرّس لسنوات طويلة هيمنة القطب الأمريكي الواحد على النظام العالمي. ولم يكن ذلك الانهيار مجرد حدث سياسي عابر، بل زلزالًا تاريخيًا غيّر موازين القوى والاقتصاد والتحالفات والعقائد الاستراتيجية، وما زالت ارتداداته تتردد في المشهد الدولي حتى يومنا هذا.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف العقد، تبدو ذكرى السقوط فرصة سانحة للتأمل في الأسباب الحقيقية لانهيار الدول من الداخل، وفي حدود القوة العسكرية عندما تعجز عن معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، كما تطرح تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان العالم يشهد اليوم بدايات تحولات كبرى مشابهة، وإن اختلفت الأدوات واللاعبون.
وهنا أتوقف أمام أحد الأسباب الجوهرية التي أسهمت في السقوط المروّع للاتحاد السوفيتي، ذلك السبب الذي لا أزال أراه مستشريًا بقوة في مصرنا اليوم، رغم اختلاف الظروف وتباين السياقات.
المصلحة الوطنية
وأقولها بصدق يختلط بالقلق: إن التربص بمصر والعداء لمصالحها لا يأتي دائمًا من خصومها المعلنين فحسب، بل قد يأتي أحيانًا من دوائر أقرب إليها، ممن تغيب عنهم الرؤية، أو تتقدم لديهم المصالح الضيقة على مقتضيات المصلحة الوطنية العليا.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الدول نادرًا ما تسقط بضربة خارجية واحدة، لكنها تتآكل من الداخل حين تتراكم الأخطاء، ويُترك الخلل دون علاج، وتتراجع الكفاءة أمام الولاء، ويضيق المجال أمام النقد البنّاء والمراجعة الصادقة.
وأخشى أن تكون مصر اليوم عالقة في منطقة رمادية بين التعافي والتعثر؛ فلا هي تنطلق بالسرعة التي تليق بإمكاناتها وقدرات شعبها، ولا هي تنجح في التخلص الكامل من أوجه القصور التي تكبح مسيرتها وتستنزف طاقاتها.
ومن هنا تأتي هذه الكلمات، لا بوصفها هجومًا أو تشاؤمًا، بل باعتبارها صرخة مواطن يخشى على وطنه ويؤمن بقدرته على النهوض. وأرجو أن تصل هذه الرسالة إلى من يملكون القرار والمسؤولية، وإلى كل من لا تزال لديه ذرة من الحس الوطني، لعلنا ننتبه إلى مواضع الخلل قبل أن تتسع، ونعالج أسباب الضعف قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
فالأمم العاقلة لا تتعلم من انهياراتها فحسب، بل تتعلم أيضًا من انهيارات الآخرين. فلم يكن سقوط الاتحاد السوفيتي مجرد انهيار اقتصادي أو هزيمة سياسية أمام الولايات المتحدة، بل كان – في جانب كبير منه – انهيارًا إداريًا وأخلاقيًا نتج عن تآكل الكفاءة داخل مؤسسات الدولة، وتغلغل منطق الولاء على حساب الخبرة والاستحقاق.
الحرب الباردة
وقد روى بعض المؤرخين والباحثين في شؤون الحرب الباردة قصة لافتة تعبّر عن هذا المعنى. تقول الرواية إن الولايات المتحدة نجحت في تجنيد وزير القوى العاملة السوفيتي كعميل لها، لكن الغريب أنها لم تطلب منه سرقة وثائق سرية، أو تسريب معلومات استراتيجية، أو نقل أسرار عسكرية. كانت مهمته الوحيدة، كما تروي القصة، أن يضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب.
لم يُكلَّف الرجل بأكثر من ذلك. لم يُطلب منه سوى العبث بمنطق الإدارة من الداخل، وضرب معايير الاختيار والكفاءة في مقتل.
ومع مرور الوقت بدأت آثار هذا الخلل تتسع ككرة ثلج متدحرجة. أصبح القرار الإداري أسيرًا للمحسوبية، وتفككت سلاسل الكفاءة، وتراجع أهل الخبرة، وصعد أصحاب الولاء. لم يعد الرجل المناسب في المكان المناسب، ولم يعد الموقع يُسند إلى الأكفأ، بل إلى الأقرب والأضمن والأكثر طاعة.
وحين يحدث ذلك على نطاق واسع داخل أي دولة، فإن النتائج تكون كارثية. تتعطل المؤسسات، وتتباطأ عجلة الإنتاج، وتتراكم الأخطاء، وتتسع الفجوة بين الواقع وما يُرفع من شعارات. وهكذا أخذت مؤسسات الدولة السوفيتية العملاقة تتآكل من الداخل حتى انهارت المنظومة تحت وطأة الترهل والارتباك والفوضى البيروقراطية، وجاءت لحظة السقوط الكبرى عام 1991.
وقد تكون هذه القصة رمزية في بعض تفاصيلها، لكنها تحمل حقيقة شديدة العمق: فالدول لا تبدأ رحلة الانهيار يوم تُهزم عسكريًا أو تفلس اقتصاديًا، وإنما يوم تُقصي الأكفاء وتُقدّم المطيعين عليهم، ويصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة، والثقة الشخصية بديلاً عن الجدارة.
وحين ننظر بإنصاف إلى الحالة المصرية اليوم، نجد أن كثيرًا من مظاهر هذا الخلل تفرض نفسها بإلحاح. ومن أخطر أمراض الإدارة في مصر أن معيار الاختيار في كثير من المواقع لم يعد الكفاءة وحدها، بل أصبحت “الثقة” هي المعيار الحاكم، حتى وإن جاءت على حساب الخبرة والقدرة والإنجاز.
ولا خلاف على أهمية الثقة في إدارة الدولة، لكن الخطر يبدأ حين تتحول الثقة إلى بديل للكفاءة، وحين يصبح المطلوب هو المطيع لا المبدع، والتابع لا القادر على المبادرة، وعندها تبدأ المؤسسات في فقدان حيويتها، وتتحول المناصب إلى مواقع إشغال لا مواقع إنجاز.
السياسية أو الأمنية
نرى ضابطًا سابقًا يتولى وزارة أو محافظة لا علاقة له بها، أو موظفًا بيروقراطيًا يتسلق المناصب بفضل قربه من دوائر القرار لا بفضل تاريخه المهني.
أحيانًا يُكافأ الفاشل بالترقية، بينما يُعاقَب المبدع بالإقصاء لأنه “غير منسجم” مع الخط العام. هذا النمط يعيد إنتاج فكرة الوزير السوفيتي التي تحدثنا عنها .. إفساد الهرم الإداري من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة.
وليس الأمر سرًا؛ فحين تُراجع قوائم التعيينات في بعض الوزارات أو الهيئات خلال العقد الأخير، ستجد أن التخصص غالبًا لا يمت بصلة إلى طبيعة الوظيفة.
القضاء والشرطة واساتذة الجامعات وخصوصا في كليات الطب كنموذج صارخ لخطط التوريث، تجد من يُدير قطاع التنمية المحلية بخلفية عسكرية بحتة، ومن يُدير ملف الثقافة بخلفية إعلامية، ومن يقود مؤسسة تعليمية وهو لم يمارس التدريس يومًا.
هذه الممارسات تُنتج “بيروقراطية الولاء” لا “بيروقراطية الدولة”، أي جهازًا يطيع دون أن يُفكر، ويُنفذ دون أن يُبدع، فيتحول الوطن إلى مؤسسة جامدة بلا روح ولا مبادرة.
في أواخر عهد الاتحاد السوفيتي، سادت ظاهرة “هجرة العقول” بسبب الإحباط من القيود الإدارية والرقابة السياسية.
اليوم، تعيش مصر حالة مشابهة، إذ تُقدّر بعض الإحصاءات أن نحو 60% من العقول المصرية المهاجرة من أصحاب التخصصات الدقيقة لا يفكرون في العودة بسبب غياب مناخ يقدّر الكفاءة أو يمنحها مساحة للتأثير.
في الجامعات، كم من أستاذ مبدع تم تهميشه لأن رأيه لا يرضي أحد القيادات؟ (وآخرها حالة الباحث العلمي الذي اجتاز بحثه الاختبارات العلمية البحثية والتحكيمية كلها، فيما رفضته عميدة الكلية في تحد صارخ لمبادئ العلم والبحث العلمي)، وفي الوزارات، كم من مهندس أو اقتصادي لم يُسمع له لأنه “ليس من رجال المرحلة”؟
تتحول الكفاءات إلى ديكور شكلي يُستدعى في المؤتمرات، لا في دوائر صنع القرار. ومع استمرار هذه السياسات، تتسرب الثقة من المجتمع، ويفقد الشباب الإحساس بالجدوى، فيزداد الاحتقان واليأس.
الدولة الحديثة
في ألمانيا مثلًا، لا يمكن أن يُعيّن وزير للصحة إلا إذا كان طبيبًا أو أكاديميًا في المجال الطبي، ولا وزيرًا للنقل إلا إذا كان مهندسًا أو خبيرًا في اللوجستيات.
أما في مصر، فالمناصب تُمنح بالثقة والولاء الشخصي، لا بالخبرة. وقد شهدنا في السنوات الأخيرة تعيينات لموظفين لا علاقة لهم بميدانهم الجديد سوى القرب من السلطة، أو المشاركة في مشروع سابق نال الرضا السياسي.
هكذا تُدار الدولة بمنطق “الوظيفة غنيمة”، لا “المسؤولية تكليف”. وهذا ما جعل معظم الخطط التنموية قصيرة النفس، تُعلن في مؤتمرات براقة ثم تذوب في دهاليز البيروقراطية لغياب الكفاءات القادرة على تنفيذها.
من سمات الانهيار السوفيتي أيضًا المركزية الشديدة، حيث كانت موسكو تتحكم في كل صغيرة وكبيرة في جمهوريات الاتحاد، فلا مجال للمبادرة أو القرار المحلي.
وفي مصر اليوم، تتكرر هذه المأساة بصيغة أخرى .. المحافظات بلا صلاحيات حقيقية، والمديريات المحلية مجرد أذرع تنفيذية تنتظر “التعليمات من فوق”.
المحافظ لا يستطيع أن يبتّ في مشروع خدمي دون موافقة وزارية، والوزارة بدورها تنتظر قرارًا من مكتب رئيس الوزراء أو جهة رقابية عليا. بهذا الشكل، تموت الكفاءة في المهد، وتتحول الدولة إلى سلسلة من “انتظار الأوامر”.
إن أي جهاز إداري يُقتل فيه الاجتهاد، ويتحول فيه الموظف إلى “منفذ صامت”، لا يمكن أن يبدع أو ينهض، مهما وُضعت له الخطط والاستراتيجيات. كما اختلطت الأدوار في أواخر العهد السوفيتي، تختلط في مصر اليوم المهام والاختصاصات على نحو يثير القلق.
توزيع المهام
نرى الاقتصادي يتحدث في السياسة الخارجية، والمهندس يضع خطط التعليم، والطبيب يُدير ملفات الأمن الغذائي.. هذه الفوضى في توزيع المهام تعكس أزمة أعمق .. غياب الرؤية المهنية للدولة، واستبدالها برؤية “الشخص الواحد العالم بكل شيء”.
فإذا كان المسؤول الأعلى يعتبر نفسه خبيرًا في الاقتصاد والإدارة والتعليم والصحة والفن، فلا حاجة له بالخبراء أصلًا. وهنا يكمن لبّ الأزمة.
الخلل الجوهري في الحالة المصرية اليوم هو أننا لا نملك دولة مؤسسية بقدر ما نملك دولة ثقة. القرارات تُبنى على “الاطمئنان الشخصي” أكثر مما تُبنى على دراسات الجدوى أو الخبرة المتراكمة. في مثل هذه البيئات، لا تُكافأ الكفاءة، بل تُعاقب لأنها تُذكّر الآخرين بعجزهم.
وبينما تتقدم الدول حين تبني مؤسساتها على التخصص، نجد في مصر أن المؤسسة تُختزل في الشخص، فإذا غاب الشخص غابت المؤسسة. وهذا ما يجعل أي تغيير في القيادات كفيلاً بتعطيل العمل لسنوات، لأن الملفات لم تكن تُدار بعقل مؤسسي، بل بتوجيهات فردية.
نتائج هذا الخلل تظهر بوضوح في مؤشرات التنمية:
- تراجع جودة التعليم رغم زيادة الإنفاق.
- تضخم الجهاز الإداري دون إنتاجية حقيقية.
- تدهور الخدمات المحلية بسبب غياب الكفاءة.
- الديون الخارجية تتضاعف بينما لا يتحسن الأداء الاقتصادي.
كل هذه المظاهر تشبه – إلى حد بعيد – ملامح التدهور التي سبقت سقوط الاتحاد السوفيتي.. دولة ضخمة على الورق، لكنها خاوية من الداخل.
صحيح أن القوى الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، تسعى لإبقاء مصر في حالة “عدم توازن” دائم، وأنها قد تستفيد من ضعف مؤسساتها، لكن الخلل في جوهره داخلي.
فالخارج لا يستطيع أن يخترق دولة قوية، بل يستثمر ضعفها الداخلي فقط. ولو كانت مؤسساتنا تدار بالكفاءة، لما استطاعت أي قوة أن تزرع الفساد الإداري أو تُملي علينا اختياراتنا.
إن أكبر خطر يواجه مصر اليوم ليس “عدوًّا خارجيًا”، بل إدارة داخلية تقتل الكفاءات وتُكافئ الولاءات. وهذا هو الدرس الأكبر من تجربة الاتحاد السوفيتي.. لم يسقط بالمدافع، بل سقط بالمكاتب.
لا خلاص لمصر إلا بالعودة إلى قاعدة بسيطة قالها النبي ﷺ قبل أربعة عشر قرنًا: “إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”، هذه ليست نبوءة دينية فحسب، بل قانون تاريخي حتمي، كل دولة تسند الأمر إلى غير أهله تنهار عاجلًا أو آجلًا، أما الدول التي تحترم التخصص، وتمنح الكفاءة مكانها، فتبقى وتزدهر.
الإصلاح يبدأ من:
- فصل الإدارة عن الولاء السياسي.
- إعادة الاعتبار للكفاءات والخبراء في كل مجال.
- إنشاء جهاز وطني مستقل لتقييم الأداء الوظيفي بعيدًا عن العلاقات الشخصية.
- تمكين الإدارة المحلية بصلاحيات حقيقية لتجريب حلول على الأرض.
- محاسبة القيادات الفاشلة بشفافية بدل تدويرها من وزارة إلى أخرى.
الوزير السوفيتي الذي جُنّد دون مهمة كان أداة رمزية لانهيار دولة عظمى، لأنه زرع في جسدها جرثومة “اللامنطق الإداري”.
واليوم، ما نراه في مصر ليس بعيدًا عن ذلك..مسؤولون في غير مواقعهم، كفاءات مغيّبة، مؤسسات تُدار بالعلاقات لا بالعلم.
إنها وصفة مؤكدة للتراجع، لا تحتاج إلى عدو خارجي لتنفذها.
الدولة التي تريد أن تنهض يجب أن تُعيد الأمور إلى نصابها: الرجل المناسب في المكان المناسب، والمؤسسة قبل الشخص، والكفاءة قبل الولاء.
فالتاريخ لا يرحم الدول التي تُخطئ في أبسط قواعد البقاء: إدارة نفسها بعقلها لا بعاطفتها.













