يكفي أن تتجول قليلا في أي سوق مصري لتلمس حالة القلق اليومي التي يعيشها المواطن مع كل زيادة جديدة في أسعار السلع، وصحيح أن الأسباب الخارجية واضحة ولا يخفيها أحد، وهى أن العالم يمر بموجات متتالية من الأزمات المتشابكة، بداية من أزمة كورونا التي شلت حركة التجارة، مرورا بالحرب الروسية الأوكرانية التي ضربت سوق الغلال، وصولا إلى التوترات الشديدة بين أمريكا وإيران واضطراب الممرات البحرية التي تعتمد عليها حركة الاستيراد.
وكل تلك الأحداث ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد المصري، وجعلت الحكومة تسعى لإقامة أسواق ومنافذ مخفضة، لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن المطلع على التاريخ المصري يعلم جيدا ان الغلاء وجشع التجار ليس وليد اليوم وان حماية الناس كانت دائما خطا أحمر يتطلب حزما مباشرا من الحكام.
ففي العصر الحديث، أدرك محمد علي باشا أن ترك الأسواق دون إدارة ومراقبة مباشرة يقود للفوضى، لذلك أحكم سيطرته على المخازن وألزم أصحاب المخازن بالبيع المباشر للناس بالسعر العادل، وذلك بعد أن وضع يده على حركة التجارة لضمان استقرار المجتمع والحفاظ على الدولة.
وفي العصر الفاطمي نجد أن المعز لدين الله لم يستسلم لغلاء الأسعار، وأرسل القائد جوهر الصقلي على الفور للنزول إلى الأسواق بنفسه، فقام جوهر الصقلي بجمع التجار وسماسرة الغلال، وفرض تسعيرة موحدة للسلع، ثم قام بتطبيق عقوبات رادعة على كل من حاول احتكار قوت الشعب، ومنها التشهير والتجريس، والضرب بالسياط، وضرب تجار العملة بصك عملة جديدة.
أما في العصر العباسي، قدم السلطان المؤيد شيخ موقفا سجله التاريخ في صفحاته بحبر من ذهب وهو أنه نزل بنفسه لمراقبة الأسواق، وأمر بجلب الشحنات المحملة بالغلال إلى القاهرة، وأشرف على بيعها للناس بأسعار زهيدة للغاية، وهو ما كلف خزينة الدولة خسارة زادت عن نصف ثمنها، وذلك ليكسر حدة احتكار التجار ويضمن ألا يجوع مواطن مصري.
والرسالة من كل تلك القصص التاريخية واضحة وبسيطة، وهى أن الأزمات العالمية قد تكون هي السبب في شرارة الارتفاع الأولى، لكن الجشع والتلاعب الداخلي هما ما يحولان الأزمة إلى كوارث لا تطاق، لذلك، فإن جهود الحكومة الحالية في توفير أسواق مخفضة هي خطوة جيدة، لكنها تظل غير كافية إذا لم تقترن بنزول ميداني وحقيقي لأجهزة الرقابة إلى كل شبر في الأسواق، خصوصا ان المواطن بحاجة إلى أن يشعر بأن هناك من يحميه من التلاعب، وأن هناك متابعة صارمة تبدأ من كبار تجار التوريد وحتى تجار التجزئة.
بشكل عام السيطرة على الحروب والتحديات العالمية أمر خارج عن إرادتنا، لكن السيطرة على جشع المستغلين في الداخل هو قرار في أيدينا بالكامل، الحزم والمتابعة الميدانية اليومية هما الحل الوحيد لاستعادة التوازن ولضمان حياة كريمة للمواطن في ظل تلك الظروف الصعبة.














