في السادس من أكتوبر عام 1973، لم تكن مصر تدخل معركة جديدة فقط، بل كانت تخوض واحدة من أهم معارك تاريخها الحديث؛ معركة أرادت فيها أن تستعيد أرضها، وترد اعتبار جيشها، وتثبت أن ما حدث في يونيو 1967 لم يكن نهاية الطريق.
وعند الثانية ظهرًا، بدأ الهجوم العسكري بضربة جوية مركزة، أعقبها قصفات مدفعية متتالية، وتلا ذلك بدء عبور القوات المصرية قناة السويس، وفتحت ثغرات في الساتر الترابي، وأقامت رؤوس كباري على الضفة الشرقية.
ومنذ ذلك اليوم، ارتبطت في الذاكرة المصرية كلمة واحدة بكل ما جرى: «العبور»… لكن ما صنعته مصر في أكتوبر كان أكبر من مجرد عبور قناة السويس، ولا يسعني هنا إلا أن استحضر كلمات الزعيم الراحل محمد أنور السادات في خطابه الشهير «خطاب النصر» والتي أشار فيها إلى عبور مصر بالجسر بين اليأس والرجاء.
فبعد هزيمة 1967، لم تكن مصر تواجه احتلال سيناء فقط، بل كانت تواجه آثار هزيمة تركت جرحًا عميقًا في نفوس المصريين. كان الجيش يحتاج إلى إعادة بناء، والدولة تحتاج إلى إعادة ترتيب أوراقها، والشعب كله ينتظر اليوم الذي يرى فيه بلاده تستعيد قدرتها وثقتها بنفسها، ومن هنا بدأت رحلة طويلة لم تكن سهلة.
أعادت مصر بناء قواتها المسلحة، وبدأت سنوات من التدريب والإعداد والتخطيط، ودرست أرض المعركة، وراجعت الأخطاء، وبحثت عن أفضل الطرق لمواجهة عدو كان يعتقد أن تحصيناته على الضفة الشرقية للقناة كفيلة بمنع المصريين من العبور.
فقد أقامت إسرائيل «خط بارليف»، الذي عُدّ في ذلك الوقت واحدًا من أبرز الموانع الدفاعية في العالم. ولم يكن التحدي بالنسبة لمصر هو امتلاك القوة فقط، وإنما الوصول إلى الطريقة التي يمكن بها استخدام هذه القوة بكفاءة وذكاء، وهنا ظهرت عبقرية التخطيط المصري.
سنوات من التدريب، وإعادة التنظيم، ودراسة جغرافيا الأرض، وتجربة البدائل، والاستعداد لكل الاحتمالات. تفاصيل كثيرة لم تظهر في صور النصر الشهيرة، لكنها كانت الأساس الذي قامت عليه لحظة السادس من أكتوبر.
ومن أشهر هذه التفاصيل استخدام مضخات المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي، وهي فكرة تبدو بسيطة حين نسمع عنها الآن، لكنها كانت في وقتها حلًا عمليًا وذكيًا لمشكلة عسكرية بالغة التعقيد.
وهنا يظهر جانب من أسباب فخرنا بما صنعته مصر في أكتوبر، فالنصر لم يكن ضربة حظ، ولم يكن نتيجة لحظة عابرة، بل جاء بعد سنوات من العمل والإعداد والتدريب والصبر. كانت مصر تعرف حجم التحدي، ودرسته جيدًا، ثم صنعت الوسيلة التي مكنتها من تجاوزه.
ولذلك فإن أهمية أكتوبر في الوعي المصري لا ترتبط فقط بما تحقق على أرض المعركة، بل بما مثله هذا اليوم من استعادة للثقة.
استعادت مصر ثقتها في جيشها، واستعاد المصريون ثقتهم في قدرة دولتهم على مواجهة أصعب الظروف. وأثبتت التجربة أن الهزيمة، مهما كانت قاسية، لا تعني أن التاريخ توقف، وأن الدولة التي تراجع أخطاءها وتتعلم منها وتعيد بناء قوتها تستطيع أن تعود من جديد، ولهذا بقيت صور العبور حاضرة في وجدان المصريين حتى اليوم.
صورة الجندي المصري وهو يعبر القناة، وصورة العلم المصري على الضفة الشرقية، وصور الجنود بعد اقتحام التحصينات؛ كلها لم تصبح مجرد صور من حرب مضت، وإنما أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية؛ لأن المصريين رأوا في أكتوبر بلادهم وهي تنهض بعد سنوات صعبة..
رأوا جيشهم الذي أعاد بناء نفسه، وجنودهم الذين حملوا مسؤولية استرداد الأرض، وقادتهم الذين خططوا، ومهندسيهم الذين ابتكروا الحلول، وشعبًا كاملًا يقف خلف هدف واحد.
ومن هنا يأتي الفخر الحقيقي بأكتوبر، ليس فقط لأن مصر عبرت قناة السويس، وإنما لأنها استطاعت، في واحدة من أصعب لحظاتها، أن تحول آثار الهزيمة إلى قوة، وأن تحول سنوات الإعداد إلى نصر، وأن تثبت أن قدرتها على النهوض كانت أكبر من كل ما واجهته.
فلقد كان السادس من أكتوبر يومًا أثبتت فيه مصر أنها قادرة على استعادة أرضها وكرامتها وثقتها بنفسها.
ولهذا، وبعد أكثر من نصف قرن، لا تزال ذكرى أكتوبر تحمل للمصريين معنى يتجاوز حدود المعركة، إنها ذكرى دولة لم تستسلم للواقع، وجيش أعاد بناء قوته، وشعب ظل مؤمنًا بأن أرضه ستعود.
وفي كل مرة نستعيد فيها ذكرى انتصارات يوم السادس من أكتوبر، فإننا لا نستعيد فقط ذكرى نصر عسكري، بل نستعيد لحظة من أسمى لحظات الفخر بمصر؛ مصر التي عرفت كيف تنهض، وكيف تستعد، وكيف تخطط، وكيف تعبر، وكيف تنتصر.














