مع إشراقة كل يوم جديد، يخرج المواطن إلى الأسواق يحمل في ذهنه قائمة صغيرة من احتياجات بيته، لكنه سرعان ما يُجبر على العودة مُثقلًا بصدمة الأسعار بدلاً من ثقل الأكياس.
لم يعد ارتفاع الأسعار مجرد منحنى مؤقت، بل أصبح أشبه بموجة جارفة لا تتوقف، تتحدى قدرة المواطن البسيط على تحمل الأعباء اليومية.
ورغم ما يقال إن السبب الرئيسي يكمن في ارتفاع سعر الدولار أو زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، إلا أن الحقيقة تُشير إلى جانب أكثر قتامة يسمى «الجشع التجاري».
هناك حالة من الاستغلال المتزايد في ظل غياب رقابة فعالة على الأسواق، حيث يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بلا مبرر منطقي سوى تعظيم الأرباح، متناسين أن تفاصيل حياتهم ومستقبل أطفالهم مرتبط بالمواطن الذي ينهار تحت وطأة الأعباء.
الغريب في الأمر أن أي زيادة تحدث في سعر سلعة ما تصبح ثابتة غير قابلة للتراجع وكأنها حق مكتسب، أما الانخفاض فهو مجرد حلم بعيد المنال.
المشهد الذي يتكرر يوميًا هو مشهد مرير، الموظف محدود الدخل يجد راتبه يتآكل أمام أعين أطفاله، والعامل الذي يجتهد ليلاً ونهارًا بالكاد يؤمن القليل من ضروريات الحياة، وصاحب الأسرة الكبيرة يقف عاجزًا أمام سؤال بسيط لطفل صغير: «أبي، هل يمكننا شراء هذا؟» تلك النماذج الواقعية تمثل كارثة معيشية تهدد استقرار المجتمع.
وعلى الجانب الآخر، يبدو أن استجابة الجهات المسؤولة لا تزال عاجزة عن مجاراة هذا الغلاء المستشري، ورغم التصريحات المتتالية والحملات الإعلامية التي تُبث لطمأنة الناس بأن الرقابة ستعود لتضبط الأسواق، فإن الواقع يظهر عكس ذلك تمامًا.
الأسعار ترتفع بلا رحمة، والمواطن ينتظر بصبره الممزوج بالألم حلًا عمليًا وليس مجرد وعود وشعارات.
باتت الأسواق أشبه بحلبة صراع تخضع فقط للقوانين التي يفرضها المتحكمون فيها، التاجر الأقوى هو من يدير الدفّة، فيرفع الأسعار تارة خوفًا مما هو قادم وتارة طمعًا في أرباح تفوق الوصف.
وفي خضم هذه الفوضى، يظل المواطن وحده دون سلاح يمكنه من الدفاع عن حقه في العيش الكريم.
المشكلة لا تتوقف عند البُعد الاقتصادي فقط، فالضغط الناتج عن الغلاء يعصف بالاستقرار النفسي للأسر وينعكس على النسيج الاجتماعي بشكل عام.
الشعور بالعجز أمام الأسعار المرتفعة يأكل من معنويات الناس يومًا بعد يوم، ويهدد بانهيار الثقة، كما أن غياب الرادع لكل من يستغل الأزمة قد يجعل من الجشع ظاهرة مقبولة تطغى على التعاملات اليومية.
لذلك، لا يمكن الاستمرار في تجاهل هذه الأزمة المتفاقمة، القضية لم تعد تحتاج إلى أقوال أو بيانات رسمية للتسكين المؤقت، بل تستدعي خطوات جريئة وحلولًا طويلة الأمد، تبدأ من وضع نظام صارم للرقابة على الأسواق ومعاقبة المحتكرين بشدة.
الحل يجب أن يخلق بيئة اقتصادية توفر الحماية للطبقات الأضعف وتمنع استغلال حاجتهم الأساسية.
وفي نهاية الأمر، يظل السؤال عالقًا على شفاه الملايين: إلى متى سيتحمل المواطن المصري تكاليف هذه الفوضى الاقتصادية وحده؟ إلى متى سيظل حلم العيش حياة بسيطة أشبه بمعجزة؟، حان الوقت أن يتحول هذا الصوت الخافت للناس إلى صرخة تغير الواقع وتنقذ وطنًا بأكمله من السقوط في براثن الفوضى الاقتصادية والاجتماعية.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













