«الأسعار ارتفعت عن الأمس»، بهذه العبارات المكلومة وضعت «أصيلة» أكياس التسوق الخاوية فوق طاولة المطبخ، وعيناها تتنقلان بذهول بين قائمة متطلبات لا تنتهي وميزانية باتت أضيق من سم الخياط.
استقبلها زوجها «وطني» بنظرة تحمل عجزاً مكتوماً، يتفحص وجهها الشاحب الذي انعكست عليه خيبة الجولة الصباحية في الأسواق، قبل أن يسألها بصوت خافت: «ألم تتمكني من شراء الدواء؟ أم إن إيجار البيت هو الذي لن نسدده هذا الشهر أيضاً؟».. وألقى بجسده المجهد على أقرب كرسي.
قالت أصيلة بمرارة: «والله وقفت أمام الصيدلية ساعتين استجمع حيرتي.. أأختار دواء الضغط الخاص بك أم حليب الأطفال؟ وعندما توجهت لشراء الخضروات وجدتها قد تجاوزت أسعار الأمس! وقفت حائرة لا استطيع إحداث توازن بين قوت اليوم والدواء ومطالبات صاحب العقار.. ربنا يتولانا برحمته، فلم نعد قادرين على التقاط أنفاسنا!!».
هذا المشهد المقتضب لم يعد تفصيلاً عابراً في حياة أسرة بعينها، لكنه أصبح متتالية يومية تختزل المأساة الهيكلية التي تطال الطبقة المتوسطة، تلك الكتلة الحيوية التي طالما شكلت الرافعة الاقتصادية والعمود الفقري للاستقرار المجتمعي والثقافي.
والتحولات الاقتصادية المتلاحقة وضعت هذه الفئة أمام معضلة حقيقية تتمثل في التآكل السريع لصلابتها المالية. والزيادات المتسارعة في تكاليف المعيشة تلتهم القوة الشرائية للأجور الثابتة، وهو ما أدخل ملايين الأسر ــ إن لم يكن أكثر من 70 في المئة ــ في حالة مستمرة من إعادة التكيف القسري مع واقع يزداد ضغطاً يوماً بعد آخر.
وإن الواقع المتغير الذي نعيشه فرض علينا إعادة ترتيب قاسية لسلم الأولويات، وتراجعت المفاهيم التقليدية للرفاهية والادخار لصالح استنزاف كامل الموارد في حوادث الحياة اليومية والاحتياجات الأساسية كالطعام والسكن والدواء، ولم تعد الأزمة محصورة في توفير السلع التموينية فقط، لكنها امتدت لتشكل عبئاً حرجاً في قطاعي التعليم والصحة.
وأصبحت الأسر نفسها مرغمة على تحمل تكاليف باهظة لتأمين متطلبات التعليم والرعاية الطبية، وهو ما يشكل استنزافاً أفقياً لمدخراتها وأمانها المستقبلي. ويتجاوز هذا التآكل أبعاده الرقمية والمالية ليلقي بظلال كثيفة على السلم الاجتماعي والسكينة النفسية.
إن عيش حياة تحت وطأة الترقب الخائف من تقلبات الغد يخلق حالة من الإجهاد العصبي المزمن لدى الآباء والأمهات، وتراجع جدوى التخطيط المالي طويل الأمد أسهم في تهميش الحراك الاجتماعي الصاعد. ولم تعد المؤهلات العلمية والوظائف المستقرة كافية لوحدها لتوفير مظلة حماية متكاملة ضد الهزات الاقتصادية.
بشكل عام، والمؤكد أن البنية الاجتماعية للطبقة المتوسطة تعيد تشكيل نفسها اليوم في ضوء كل هذه المعطيات، ويتسع الفارق بين شريحة محدودة استطاعت مواكبة اقتصاد المهارات الحديثة، وبين شريحة واسعة انزلقت نحو النطاق الحرج الذي يجعلها عرضة لأي صدمة مالية طارئة.
والمؤكد أن استعادة التوازن لهذه الطبقة المحورية يستلزم رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة، ترتكز على ضبط الأسواق وتعزيز كفاءة الخدمات الأساسية وترسيخ شبكات أمان اجتماعي، تكفل لهذه الفئة استعادتها لدورها الطبيعي، كي لا يظل الأمان الاقتصادي مجرد معجزة معلقة برباط الرجاء:«ربنا يتولانا».











