تتردد في أروقتنا اليومية وفي أزقة شوارعنا العربية عبارة « زن يا عم»، ونطلقها عادة حين يتجاوز الحديث حد الكفاية، أو حين يتكرر كلام مكرر يرهق مسامعنا دون أن يحمل في طياته أي قيمة حقيقية، حتى باتت الكلمة في مخيلتنا الجمعية مرادفًا للضجيج والثرثرة الفارغة التي لا طائل منها، غير أنها ــ نفس الكلمة ــ حين تفلت من سياقها المحلي وتنتقل إلى ساحة الفلسفة العالمية، تكشف عن وجه آخر يناقض هذا الفهم تماما، إذ أصبحت تحمل وزنا رصينا في مجالات الفكر والتأمل، مع أنها لا تزال في نظر الكثيرين محاطة بهالة من الغموض والالتباس.
إن تتبع الحركة التاريخية لتلك الكلمة «زن» يروي رحلة شائقة وممتعة بين اللغات والحضارات، فالزن في أصلها ليست سوى النطق الياباني للكلمة الصينية «تشان»، وتعود هذه الأخيرة إلى جذرها اللغوي السنسكريتي الهندي «دهيانا»، وهو مفهوم يعبر في الأساس عن ممارسة هندية قوامها التركيز الشديد والتأمل العميق.
ولقد تخطت تلك التجربة الحدود من أرض الهند لتستقر في الوجدان الشرقي والبلدان المجاورة، فتأثرت بالحكمة الصينية ثم تبلورت في قالبها الياباني الناجز، وهي في جوهرها ممارسة تهدف إلى استحضار الوعي الحاد واليقظة التامة في كل لحظة حية، استنادا إلى تعاليم متواترة تتجاوز النصوص الرسمية المكتوبة وما يقوله المعلم لمريديه من مجرد خطب ونظريات.
وتتأسس هذه الفلسفة على تجربة إنسانية مباشرة تتدفق من حنجرة إلى حنجرة أخرى، وتنتقل كشرارة بين القلوب عبر المواجهة الصادقة مع الذات، وهو ما يؤكد أن كلمة «الزن» لا تلتمس الحقيقة فقط في المجلدات الضخمة المعلقة على الرفوف، بل تراهن على الحضور الكامل للذهن أثناء تفاصيل الحياة العادية، في السير والعمل وحتى في لحظة إعداد مشروب من كوب القهوة أو الشاي.
أن كلمة الزن تنظر إلى الألفاظ والنصوص بوصفها مجرد إصبع يشير إلى القمر، فمن يستغرق في التطلع إلى الإصبع يُفوت على نفسه رؤية القمر، ومن هذا المنطلق بالتحديد يتبدى نقد الفلسفة الصارم للثرثرة والكلام الذي يستبدل بالواقع ظلاله.
وعلى الرغم مما يكتنف تعاليم الزن من مفارقات ظاهرة وأساليب تعليمية قد تبدو للوهلة الأولى معقدة ومربكة خصوصا للعقل المنطقي، إلا أنها في جوهرها خالية تماما من الألغاز أو الغيبيات المعتمة، بالإضافة إلى أنها لا تطرح قضايا لاهوتية شائكة ولا تتطلب الإيمان بتصورات مغايرة للواقع، لكنها تجسيد للبساطة المطلقة، ودعوة صريحة للعودة إلى الفطرة الصافية والتخلص من تراكمات التفكير المجهد، ولكن التعقيد الظاهر فيها ينبع أساسا من عقولنا التي اعتادت التحليل والتركيب، فأصبح من الصعب عليها إدراك الأمور بحالتها الأولى من الصفاء المباشر.
ولكن حين نلجأ إلى الفلاسفة والمعاجم لفك رموز هذا المفهوم، يطالعنا الفيلسوف آلان واتس، الذي أبدع في نقل الفلسفة الشرقية إلى الفكر الغربي والذي يصف الزن بأنه فن التحرر من الأوهام والعيش في اللحظة الحاضرة، ويرى أن المفارقة تكمن في أن سعينا المجهد للوصول إلى السلام هو ذاته العائق الذي يحول بيننا وبين تحقيقه، فالزن ليس هدفا نسعى نحوه، وهو الكيفية التي نتحرك بها.
وتؤكد المعاجم الفلسفية أن المعنى الحقيقي للزن يستعصي على التعريفات اللغوية الضيقة، لأن اللغة تجزئ الأشياء، بينما تجربة الوعي كل متكامل لا يقبل التجزئة.
وهكذا نلمس الفارق الجوهري بين استعمالنا المحلي للكلمة كرمز للضوضاء، وبين معناها الحضاري الأصيل القائم على الصمت الفعال وتصفية الذهن، وأن الكلمة التي باتت تعبر عن الكلام الخالي من المعنى هي في أصلها حكمة تدعو إلى إسكات الثرثرة الداخلية والخارجية، كي يستطيع الإنسان أن يرى العالم كما هو، بنقاء تام وبعيدا عن زيف الألفاظ وركام المعاني المبتذلة.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا











