ليست كل الجرائم تُرتكب بأيدٍ تحمل أدوات الهدم، فبعضها يُرتكب بالصمت، وبعضها الآخر يُولد من الخوف، وينمو في ظلال التبرير، حتى يصبح الخطأ واقعًا، والفساد عادة، والمواطن هو من يدفع الثمن.
في السياسة، لا يكفي أن نسأل، من أخطأ؟ بل يجب أن نسأل أيضًا، من رأى الخطأ وسكت؟ ومن امتلك سلطة التصحيح واختار الانتظار؟ ومن وضع المصلحة الشخصية فوق المصلحة العامة؟
المشكلة ليست في وجود مسؤول يخطئ؛ فالخطأ وارد في كل مؤسسات الدولة، الكارثة تبدأ عندما يتحول الخطأ إلى سياسة، وعندما يصبح الاعتراف به ممنوعًا، والنقد خيانة، والمساءلة إزعاجًا، بينما تظل البيانات الرسمية تكرر عبارات النجاح والإنجاز وكأن الواقع شيء آخر لا يراه أحد.
الدولة القوية ليست الدولة التي لا تخطئ، وإنما الدولة التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ وتصحيحه، أما إخفاء المشكلات تحت سجادة التصريحات، فهو لا يلغي الأزمة، بل يؤجل انفجارها.
والأخطر من المسؤول الذي يخطئ هو المسؤول الذي يعرف أنه أخطأ ولا يجد من يقول له، توقف هذا الطريق يقود إلى الهاوية، هنا يصبح الصمت شريكًا.
السياسة ليست تصفيقًا دائمًا، والإعلام ليس وظيفة لتجميل الصورة. والبرلمان ليس مجرد منصة للخطب، والمواطن ليس رقمًا في تقرير إحصائي. الجميع شركاء في مسؤولية حماية الدولة من أخطاء قد تبدأ صغيرة ثم تتحول إلى أزمات كبرى.
نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة؛ ثقافة لا تخاف من السؤال، ولا تعتبر النقد هدمًا. ولا ترى المعارضة عدوًا، ولا تمنح المسؤول حصانة من المحاسبة لمجرد أنه يشغل منصبًا.
المسؤول الذي لا يسمع إلا المديح قد يكتشف الحقيقة متأخرًا. بعد أن تكون المشكلة قد خرجت من مكتبه ووصلت إلى الشارع، لا أحد فوق النقد، ولا مؤسسة فوق المساءلة، ولا مسؤول أكبر من الدولة،
التاريخ لا يرحم، فهو لا يسجل أسماء الذين صنعوا الأزمات فقط، بل يسجل أيضًا أسماء الذين رأوا الخطر قادمًا، وامتلكوا القدرة على مواجهته، لكنهم اختاروا الصمت.
في السياسة، قد يكون الصمت أحيانًا حكمة، لكن عندما يصبح الوطن هو الذي يدفع الثمن. يتحول الصمت من حكمة إلى جريمة سياسية.













