كأن الأحداث على موعد هذه الأيام، وهى تتطور فى داخل سيناء، ثم حولها.. وكأن مايسترو من نوع ما يحركها بأصابعه من وراء ستار!
إن هذا التسلسل اللافت الذى يحكم حركتها، لا يمكن أن يكون بريئاً.. ولست مقتنعاً بأنه جاء ويجىء صدفة، لأن الصدفة لا مكان لها فى العالم.. عالمنا الذى نعيشه على الأقل!
فالبداية كانت بمذبحة المصلين فى مسجد الروضة، التى هزت كيان كل مصرى هزاً، والتى لاتزال تطرح العشرات من علامات الاستفهام، أكثر مما تقدم من الأجوبة!
بعدها بساعات قالت وزيرة العدل الإسرائيلية، جيلا جملئيل، إن سيناء هى أفضل مكان لإقامة دولة فلسطينية!!.. قالت ذلك فى إسرائيل، ثم كررته بكل أسف فى القاهرة، أثناء مؤتمر كانت تشارك فيه!
وكان المنطق يقول إن القاهرة كان عليها أن تعتذر تلقائياً عن عدم استقبالها، بعد أن رددت هذا الكلام الوقح فى بلدها.. فمن الجائز أن تقوله هناك فى تل أبيب.. ولكن غير الجائز، وغير المفهوم، وغير المهضوم، أن نسمح لطائرتها بالهبوط على أرضنا بعد أن سمعناه منها!
وكان المؤلم أن تكرر، هنا، ما سبق أن قالته، وبالوقاحة نفسها!
وجاءت بريطانيا بعد وقاحة الوزيرة الإسرائيلية بساعات، لتفرج عما تسميه وثائق تقول إن حسنى مبارك وافق على توطين الفلسطينيين فى سيناء!!.. ومن وراء بريطانيا، راحت شبكة تليفزيون «بى بى سى»، تردد الكلام بالغ السُخف ذاته، وتعزف عليه بألحان مختلفة!
وفى هذه الأثناء كان مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكى، يقول إن ترامب يفكر فى الموعد المناسب للإعلان عن نقل سفارة بلاده فى إسرائيل، من تل أبيب إلى القدس!
وهكذا تبدو سيناء قاسماً مشتركاً أعظم فى الموضوعات كلها.. ولا يمكن أن يجرى ذلك كله، بهذه الوتيرة، وهذا الترتيب، عفو الخاطر.. لا يمكن!
وكنا فى النهاية على موعد مع بيان من مبارك، أحبط هؤلاء كلهم، وألقى حجراً فى فم كل واحد منهم، وأفهم الجميع، بأوضح لغة، أن سيناء لم تكن يوماً للبيع، ولا للتوطين، ولن تكون.. ولا كانت ذرة من التراب فيها لبلد غير مصر.. كانت كذلك.. وسوف تظل!
وأقوى ما فى بيان مبارك الحاسم أنه قال إن هناك مَنْ فاتحه فى هذا الموضوع مرتين، وإنه فى المرتين أفهم الذى جاء يفاتحه أنه كرئيس لمصر، وكمواطن مصرى، لا يرفض مثل هذا الكلام، وفقط، ولكنه، وهذا هو الأهم، يرفض أصلاً أن يسمعه!
إن مبارك هو الذى حارب حتى تحقق النصر فى ٦ أكتوبر ١٩٧٣، وهو الذى رفع العلم فوق سيناء فى ٢٥ إبريل ١٩٨٢، بعد أن كان السادات العظيم قد حدد هذا اليوم لرفع العلم فوقها، ثم إن مبارك هو الذى فاوض سبع سنوات كاملة لإعادة عدة مئات من الأمتار فى طابا عام ١٩٨٩!!.. فاوض سبع سنوات كاملة، ولم يقبل تفريطاً فى حبة رمل منها!
ولذلك.. كان بيانه قاطعاً كحد السيف، وكان بيانه مُحمّلاً بالرسائل، وكان بيانه لطمة على وجوه الذين يتحرشون هذه الأيام بسيناء، ويتخيلونها صيداً سهلاً!
كان بيانه فى مكانه!