تأتي الذكرى الثالثة والأربعون لتحرير سيناء، لتعيد إلى وجدان المصريين صفحات خالدة من التضحية والفداء، وتؤكد من جديد أن الأوطان لا تصان إلا بدماء أبنائها، ولا تحترم إلا بصمود شعوبها.
في هذا اليوم، تحتفل مصر بعيد التحرير، وهي أكثر تمسكًا بترابها، وأشد وعيًا بحجم التحديات التي تتربص بها، وأكثر استعدادًا للدفاع عن أرضها ومقدساتها مهما كانت التضحيات.
سيناء ليست مجرد قطعة من الأرض، بل أيقونة وطنية وإنسانية وروحية خالدة. هي أرض الفيروز، مهد الرسالات ومهبط الوحي، ومسرى الرسل والأنبياء.
فعلى أرضها، كلّم الله تعالى نبيه موسى عليه السلام في وادي طوى، المعروف أيضًا بالوادي المقدس، على الجانب الأيمن من جبل الطور في جنوب سيناء، وفيها تلقى الوصايا العشر.
وعلى ترابها خطا إبراهيم عليه السلام، وسكن فيها يوسف ويعقوب عليهما السلام، وعبرها المسيح عيسى عليه السلام في رحلته المقدسة مع السيدة مريم. سيناء هي قدس الأقداس في الشرق، تجلى فيها نور الله، فصارت محط أنظار الروح والتاريخ.
خاضت مصر على أرضها حروبًا شرسة، من نكسة 67 إلى نصر 73، وقدمت قوافل الشهداء في سبيل استردادها، ثم أظهرت صلابة المفاوض المصري في معركة السلام التي أفضت إلى رفع علم مصر على آخر نقطة من أرضها في 25 أبريل 1982. لقد أثبتت مصر للعالم أن الأرض ليست ورقة مساومة، بل شرف لا يُفرط فيه.
أنظار العالم تتجه إلى سيناء لا لموقعها الاستراتيجي وحده، بل لما تمثله من رمزية في ميزان الصراع الإقليمي والدولي. فهي حلقة الوصل بين آسيا وأفريقيا، وبوابة العبور إلى قناة السويس، وشريان الأمن القومي في شرق البلاد. كما أنها محط أطماع قديمة وحديثة، وورقة حاولت قوى خارجية توظيفها في صفقات تصفية القضية الفلسطينية، سواء عبر مشروعات التوطين أو التهجير.
لكن مصر كانت دائمًا في الموعد، ترفض بإرادة لا تلين كل مخططات التصفية والتنازل، وتؤكد للعالم أن سيناء مصرية بالدم، وستبقى كذلك إلى الأبد، وأنها ليست بديلًا لأحد ولا ملاذًا إلا لأبنائها.
لم تغب سيناء يومًا عن وعي المصريين، وظلت حاضرة في ضمير الوطن، رمزًا للفداء، ودليلًا على أن السيادة لا تُمنح بل تُنتزع. المصريون يتمسكون بها لأنها قطعة من الروح، ولأنها عنوان كرامة، ودليل على أن هذا الشعب يعرف قدر الأرض، ويحميها بالعرق والسلاح والعلم.
سيناء اليوم تشهد تنمية غير مسبوقة، تعميرًا واستثمارًا واستقرارًا، لتكون بحق أرض المستقبل كما كانت دائمًا أرض المجد.
في هذا اليوم، لا نملك إلا أن نحيي أرواح الشهداء الذين رووا أرض الفيروز بدمائهم الطاهرة، ونعاهدهم أن نبقى على العهد، حراسًا للتراب، وسدًا منيعًا أمام كل من يحاول المساس بالوطن.
مصر اليوم في عيد… وسيناء في القلب، حاضرًا ومستقبلًا ومصيرًا لا يُفرّط فيه.













