منذ أن تولّى محمد عبد اللطيف وزارة التربية والتعليم، تتعرض المنظومة التعليمية في مصر لزلزال عنيف، عنوانه التخبط، ومضمونه الانهيار، ونتيجته جيل ضائع يُساق إلى المجهول.
لقد تحوّلت الوزارة في عهده إلى حقل تجارب مرتجلة، وورشة قرارات انفعالية تهدم ما أنجزه من سبقوه، وتُعيدنا إلى الوراء بخطى ثابتة، وكأن هناك نوايا مبيتة لتجريف العقول لا تطويرها.
منذ اللحظة الأولى التي تم فيها الإعلان عن تكليف محمد عبد اللطيف وزيرًا للتعليم، انفجرت موجات الجدل داخل أروقة المنظومة التعليمية.
المعلمون اعتبروا اختياره إهانة لصوتهم المهني، الطلاب رأوا فيه امتدادًا لتجارب الفشل، وأولياء الأمور استقبلوه بالقلق لا بالأمل.
ولم تمر أسابيع على توليه المنصب حتى أصبحت الوزارة تغلي بالقرارات المرتبكة، والتصريحات المتناقضة، والخطط غير المفهومة، ما جعل الجميع يتساءل: هل هذا هو الرجل المناسب لإنقاذ التعليم، أم فتيل أزمة جديدة تحرق ما تبقى من النظام؟
بلغ التخبط ذروته هذا العام مع إعلان نتائج الثانوية العامة، حيث سادت حالة من الغموض والارتباك وغياب الشفافية.
شكاوى لا تنتهي من طلاب شعروا بالصدمة أمام نتائج لا تعبر عن مجهوداتهم، ودرجات وُزعت كأنها عشوائية، وتظلمات بلا تفسير واضح، ووزارة ترد ببرود، وتكتفي بالصمت أو التبرير الغامض.
هذه المهزلة لم تدمّر فقط معنويات الطلاب، بل قضت على ما تبقى من ثقة الأسر المصرية في العدالة التعليمية، في وقت يُفترض أن تكون الثانوية العامة بوابة الفرص لا فخ التلاعب والتجاهل.
لم تكن جهود تطوير التعليم في السنوات الماضية مثالية، لكنها على الأقل كانت تسير في اتجاه التحديث، سواء من خلال المناهج التفاعلية، أو نظام التقييم الإلكتروني، أو تنمية المهارات لا الحفظ.
أما في عهد الوزير الحالي، فقد تم إجهاض كل هذا، وعادت الوزارة إلى سياسات قديمة بثوب أشد بؤسًا.
ألغى الوزير أنظمة التطوير دون بدائل واضحة، وأدخل المنظومة في حالة ارتباك غير مسبوق:
امتحانات تتغير في منتصف العام
قرارات تُعلن وتُلغى دون تفسير
تقييمات غامضة تفتقد إلى العدالة
بلغت الفوضى ذروتها حين أعلن الوزير عودته إلى نظام «البكالوريا المصرية» القديم، وكأنه يفتح نافذة على المستقبل، بينما هو في الحقيقة ينفخ الروح في جثة تعليمية ماتت منذ عقود.
هذا النظام، الذي تخلّت عنه الدولة سابقًا لصالح نماذج تعليمية أكثر توازنًا، يُعاد الآن كأن الزمن توقف، دون أي مراعاة للتغيرات التي طرأت على التعليم عالميًا، أو حاجات الطالب المصري.
البكالوريا القديمة تعتمد على الحفظ والتسميع والتقييم الواحد القاتل، بينما العالم كله ينتقل إلى التفكير النقدي، ومهارات العرض، والتعلم القائم على المشروعات والبحث.
فهل يعقل أن تعود مصر لنظام تجاوزه حتى بعض الدول الإفريقية الفقيرة؟
أم أن هناك رغبة متعمدة في إعادة إنتاج الجهل وتدوير الفشل؟
من يدير المشهد الآن لا يرى المعلم إلا كرقم في ميزانية يجب خفضها، ولا يرى الطالب إلا هدفًا للتجريب العشوائي.
فلا زيادة مرتقبة في أجور المعلمين، ولا تدريب حقيقي يليق بالتطوير، ولا احترام لرأيهم كأصحاب الميدان.
أما الطلاب، فمحرومون من الحد الأدنى من الاستقرار النفسي، ولا يعرفون إن كانوا في مدرسة للحياة أم في مختبر لصناعة الإحباط.
يبقى السؤال المخيف: هل نحن أمام وزير بلا خطة؟ أم أن الأمر أعمق؟
هل هي مجرد عثرات أم سياسة ممنهجة لتفريغ التعليم من مضمونه، وتحويل المدارس إلى ثكنات للجمود والانصياع؟
القرارات التي يتخذها الوزير اليوم، لا تمس فقط العام الدراسي، بل تمس هوية وطن وأمن قومي ومعركة وعي مستقبلية.
فكيف لمؤسسة دولة أن تترك مستقبل أبنائها في يد من يعيدهم إلى الوراء ويقطع طريقهم نحو التقدم؟
ليس من المبالغة القول إن ما يحدث الآن في وزارة التعليم هو خطر استراتيجي.
فلا تنمية بدون تعليم، ولا أمن بدون وعي، ولا وطن بلا مدارس تخرّج أجيالًا مفكرة ومبدعة لا مجرد نسخ مكررة من الخوف والتلقين.
آن الأوان للتحرك.. قبل أن نصحو على جيل مشوّه معرفيًا، لا يُجيد سوى الحفظ، ولا يملك سلاح التفكير، ولا يثق في وطنه، ولا يجد موقعه في العالم.














