في كل مرة يطل فيها بنيامين نتنياهو بتصريحات عن «إسرائيل الكبرى» يبدو وكأنه يستحضر حلمًا قديمًا من دفاتر التاريخ التوراتي، لا كحقيقة سياسية قابلة للتحقق.
يتحدث الرجل وكأنه إمبراطور يملك الأرض والسماء، في حين أن الواقع من حوله يزداد اشتعالًا، ومعادلات القوة تتغير لصالح من كانوا يُحسبون على الهامش.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ما زال هذا الحلم مشروعًا واقعيًا، أم مجرد وهم يذوب تحت ضغط الحقائق؟
مشروع «إسرائيل الكبرى» لم يكن يومًا مجرد شعار سياسي، بل هو فكرة تأسست عليها الحركة الصهيونية منذ نشأتها.
الخرائط القديمة التي رسمها منظّرو الصهيونية كانت تمتد من النيل إلى الفرات، باعتبار أن هذا هو «الوعد التوراتي»، إلا أن الواقع الجغرافي والسياسي لم يسمح لإسرائيل عبر عقودها السبعة بتحقيق ذلك الحلم، بل إن كل توسع كان يولد معه تحديات أمنية أشد تعقيدًا.
اليوم، لا تقاتل إسرائيل من أجل التوسع، بل من أجل البقاء، فالمقاومة الفلسطينية، وصمود غزة تحديدًا، أجهضت كل محاولة لفرض واقع جديد بالقوة.
الانقسامات الداخلية، بين تيارات اليمين المتشدد والعلمانيين، أضعفت المجتمع الإسرائيلي، بينما لم يعد الجيش قادرًا على تحقيق نصر سريع وحاسم كما كان يُروّج لنفسه في العقود الماضية.
حتى الدعم الأمريكي المطلق لم يعد كافيًا؛ فالمشهد العالمي يشهد تحولات كبرى، والعالم يتجه إلى تعددية قطبية تحدّ من قدرة واشنطن على فرض أجندتها كما في السابق.
ومع كل يوم حرب، يتآكل رصيد إسرائيل دوليًا، بينما تتعاظم صورتها كدولة محتلة تمارس الإبادة بحق المدنيين.
رغم أن الأنظمة العربية لم تعد كما كانت في زمن الحروب الكبرى، فإن الشعوب العربية والإسلامية أثبتت أنها ما زالت تقاوم التطبيع، وتساند فلسطين كقضية مركزية.
الحروب السابقة من 1973 إلى حرب لبنان 2006 وصولًا إلى معارك غزة، رسمت واقعًا جديدًا، إذ لم تعد إسرائيل «الجيش الذي لا يُقهر»، بل كيانًا هشًا يمكن استنزافه بضربات المقاومة.
إن ما يواجه إسرائيل اليوم ليس معركة توسع، بل أزمة وجود، الخوف الوجودي الذي يعيشه المجتمع الإسرائيلي ينعكس في مشاهد هجرة معاكسة، واحتجاجات متواصلة، وخلافات سياسية تكاد تعصف بالمنظومة من الداخل.
مشروع «إسرائيل الكبرى» لم يعد سوى أسطورة تُستخدم لإثارة الحماس الانتخابي أو تبرير السياسات العدوانية، لكنه على أرض الواقع بات أبعد ما يكون عن التحقق.
هكذا يمكن القول إن «إسرائيل الكبرى» لم تعد مشروعًا سياسيًا بقدر ما هي وهم تاريخي يذوب تحت ضغط المقاومة وصمود الشعوب، وتغير موازين القوى الدولية.
إسرائيل اليوم تقاتل كي تبقى، لا كي تتوسع، والسؤال الأهم: إذا سقطت خرافة «إسرائيل الكبرى»، فهل يسقط معها المشروع الصهيوني برمّته؟











