لم تكن الاعتداءات المنظمة على السفارات المصرية في الخارج سوى فصل جديد من مسرحية باطلة تُدار بخيوط خفية، هدفها ضرب صورة مصر أمام العالم.
والذريعة هذه المرة هي معبر رفح، وكأن مصر هي من حاصر غزة! بينما يعلم القاصي والداني أن الاحتلال هو المتحكم الفعلي في إدخال المساعدات من طرفه، وأن مصر – تاريخياً وواقعياً – هي المدافع الأول عن الحقوق الفلسطينية، وملاذ كل مقاوم ونازح منذ نكبة 1948 وحتى اليوم.
إن تصوير مصر وكأنها شريك في حصار غزة هو كذب فجّ، الهدف منه صرف الأنظار عن الجريمة الحقيقية التي يرتكبها الاحتلال.
القاهرة فتحت معبر رفح حين أغلق الآخرون أبوابهم، وتحملت عبء المساعدات والنازحين وحدها، بينما ظلّ الاحتلال يمارس تحكمه في الجانب الآخر، هذه هي الحقيقة التي يسعى خصوم مصر إلى إخفائها.
الأحداث الأخيرة كشفت الوجه الحقيقي لجماعة الإخوان، وعلاقتها الملتبسة مع الملف الفلسطيني.
من يرفعون شعارات «الخلافة» وجدوا في الشتات الفلسطيني مطيةً لتبرير أجنداتهم الفوضوية، والنتيجة تزييف الوعي وضرب استقرار مصر.
لقد أصبح الهدف واضحاً؛ المخطط هو إسقاط الدولة المصرية لأنها العقبة الكبرى أمام مشروع تصفية القضية الفلسطينية.
ولعل أبرز مظهر لهذا التحالف المشبوه كان حين تظاهر عناصر الإخوان ضد مصر أمام السفارة المصرية في تل أبيب، في مشهد مهين كشف التنسيق الفاضح مع جهاز الموساد نفسه.
الجماعة التي ملأت الدنيا ضجيجاً بشعارات «الموت لإسرائيل»، لم تجد حرجاً في أن تقف على أرض العدو لتهاجم مصر! لقد تأكد أن عداء الإخوان ليس مع الاحتلال، بل مع الدولة المصرية ذاتها.
لم تكن واقعة تل أبيب سوى حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من التفاهمات السرية التي عقدتها الجماعة عبر تاريخها، فمنذ الأربعينيات، تورط الإخوان في تفاهمات مع قوى استعمارية بريطانية وأمريكية، بحثاً عن نفوذ ولو على حساب استقلال أوطانهم.
ومع مرور العقود، لم يترددوا في مدّ خيوط الاتصال بـ إسرائيل نفسها، مباشرة أو عبر وسطاء، كلما وجدوا في ذلك ورقة ضغط على القاهرة.
القضية الفلسطينية بالنسبة لهم لم تكن سوى أداة للمتاجرة السياسية.
لكن مصر ليست دولة رخوة، ولا شعبها ساذجاً، وعي المصريين اليوم يدرك أن هذه الاعتداءات على السفارات لم تكن نصرة لفلسطين، بل طعنة في خاصرة القضية نفسها.
مَن يحاول إضعاف مصر إنما يخدم إسرائيل، سواء رفع راية الدين أو ادعى البطولة الثورية.
في المقابل، يطلّ الأمل من بوابة الشعوب الحرة، ما شهدناه في هولندا، حين استقالت غالبية الحكومة احتجاجاً على جرائم الاحتلال، هو بداية حقيقية لإعادة العالم من غيبوبته الطويلة.
أصوات الضمير الإنساني بدأت تتقدم على حساب المصالح السياسية الضيقة، لتؤكد أن العدالة لا تموت وإن طال غيابها.
باختصار.. الهجمة على السفارات المصرية لم تكن إلا بروفة جديدة لشيطنة مصر، لكن الردّ جاء أقوى، وعي شعبي راسخ، تاريخ لا يُزوَّر، ودور مصري لا يمكن تجاوزه.
تبقى مصر – شاء من شاء وأبى من أبى – خط الدفاع الأول عن فلسطين، وحائط الصد الأخير أمام مشاريع الفوضى والانكسار.














