في لحظات الأزمات الكبرى، تتضح ملامح المواقف الحقيقية بعيدًا عن الشعارات.. الهجوم الإسرائيلي على قطر لم يكن مجرد استهداف لدولة صغيرة في الخليج، بل صفعة لكرامة الأمة بأسرها، وجرس إنذار يضع العرب والمسلمين أمام سؤال مصيري، هل يذهب القادة إلى الدوحة لدعم قطر وحدها في مواجهة العدوان، أم لتشكيل جبهة دفاع جماعية عن الأمة الممتدة من غزة إلى اليمن، مرورًا بسوريا وليبيا ولبنان؟
منذ سنوات، برزت قطر كوسيط أساسي في ملفات إقليمية معقدة غزة، أفغانستان، وحتى بعض الخلافات العربية، لذلك فإن استهدافها عسكريًا لم يكن اعتداءً عابرًا، بل رسالة سياسية مفادها أن كل دور عربي مستقل أو وساطة ناجحة يمكن أن يُدفع ثمنها بالقوة.
وهنا تكمن رمزية القمة فهي ليست دفاعًا عن قطر وحدها، بل عن حق أي دولة عربية أو إسلامية في أن تمارس دورها دون إذعان.
الشارع العربي يتطلع إلى مواقف تتجاوز البيانات التقليدية وقف التطبيع، تجميد الاتفاقيات، تحرك أمام محكمة العدل الدولية، وربما مقاطعات اقتصادية، لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فالحكومات تواجه حسابات المصالح، وضغوط القوى الكبرى، وتناقضات داخلية تجعل أي قرار جماعي مغامرة غير مأمونة.
السؤال المطروح هل يمكن لقمة الدوحة أن تكسر هذه الحلقة المفرغة من التردد؟
ما يجرى في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وما يجري في اليمن وسوريا وليبيا ولبنان، يكشف أن العدوان على قطر ليس حادثًا منفصلًا، بل جزء من سلسلة أزمات عربية مفتوحة تستغلها القوى الإقليمية والدولية لإبقاء المنطقة في حالة إنهاك دائم.
وإذا اقتصرت القمة على التضامن مع قطر، فستكون قد عالجت العرض لا المرض، أما إذا تحولت إلى استراتيجية دفاعية جماعية، فربما تفتح بابًا جديدًا لوحدة طال انتظارها.
القادة المجتمعون في الدوحة اليوم أمام اختبار تاريخي:
إما أن يسجلوا موقفًا رمزيًا عابرًا لن يغيّر شيئًا في معادلة القوة.
وإما أن يلتقطوا اللحظة ليؤسسوا لمسار جديد، يربط بين الدفاع عن قطر، والدفاع عن غزة، وعن سيادة اليمن، ووحدة سوريا، واستقرار ليبيا، وسيادة لبنان.
باختصار.. قمة الدوحة لن يُقاس نجاحها بعدد الكلمات في بيانها الختامي، بل بمدى قدرتها على تحويل التضامن إلى فعل، واللحظة العاطفية إلى مشروع سياسي مستدام.
التاريخ سيسأل هل اجتمع القادة لنصرة دولة واحدة، أم لإحياء فكرة أن الأمة لا تُجزَّأ، وأن أمن قطر من أمن غزة، وأمن اليمن من أمن سوريا ولبنان وليبيا؟
إنها لحظة فارقة، إما أن تفتح الباب لنهج جديد، أو تُضاف إلى سجل قمم عربية وإسلامية لم تغيّر في الواقع شيئًا.
قمة الدوحة ليست مجرد موعد سياسي، بل مفترق طرق، إما أن تبقى صرخة في وادٍ، أو تتحول إلى بداية وعي عربي إسلامي بأن الأمتين الإسلامية والعربية في خطر كبير يعصف بما تبقى من وحدتها ويهدد وجودها فإما أن نفيق من الغيبوبة أو لن نفيق إلى الأبد.













