في سياق الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المزمن، لم يعد مفاجئًا أن تُصدر واشنطن بين الحين والآخر سلسلة من الخطط والمبادرات التي تحمل أرقامًا مثيرة للانتباه وعناوين جذابة.
ومنذ بدايات «خريطة الطريق» ومرورًا بـ«اتفاقية أوسلو» بمساراتها المتنوعة، وصولًا إلى المقترح الأمريكي الأخير المكوّن من 21 نقطة لحل النزاع في غزة، يتكرر نفس المشهد مخططات تشكل وعودًا على الورق، لكنها تُقابل بواقع دموي على الأرض.
لعل أبرز ما يُبرز هذه الديناميكية هو إتقان الجانب الإسرائيلي لنهج المراوغة السياسية التي أُرسيت دعائمها منذ وعد بلفور وحتى اليوم.
إسرائيل، مدعومةً بالدعم الأمريكي اللامحدود، تتفنن في تقديم نفسها للعالم كـ «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، في الوقت الذي تُمارس فيه أبشع صور الاحتلال والقمع.
ترفع شعارات السلام وتوقع الاتفاقيات، لكن سرعان ما تُفرغ تلك الاتفاقيات من مضمونها إما عن طريق بنود مُلتوية أو بسياسات الأمر الواقع التي تتابع تعزيز مشروعها الاحتلالي.
في هذا السياق، لا تختلف المبادرة الأمريكية الجديدة عن سابقاتها؛ فهي تبدو أكثر كإعادة إنتاج لمساعي واشنطن لتجميل صورتها التي باتت متهالكة في المنطقة.
من غير المنطقي مطالبة الشعب الفلسطيني بتصديق حياد الولايات المتحدة، في حين أن هذه الأخيرة تستمر في توفير الأسلحة والتمويل لإسرائيل، الأمر الذي يجعلها بلا شك لاعبًا غير نزيه، بينما يُروج لدورها كوسيط سلام مزعوم.
تاريخيًا، الخبرة تثبت أن كل خطة سلام تُقدم يتم استخدامها كأداة لتعزيز الواقع القائم.
الجانب الإسرائيلي لم يتوقف عن استغلال مثل هذه المبادرات لإضفاء الشرعية على التوسع الاستيطاني وتقليص حقوق الفلسطينيين إلى مجرد رزمة من التنازلات.
وتعزز هذه الاتجاهات سردية غربية مُمنهجة تُصور الفلسطينيين كطرف «عنيد» أو حتى «إرهابي»، بينما يتم التعامل مع الاعتداءات المتكررة على غزة والضفة كمسألة مقبولة ضمن منظومة المصالح الدولية.
أما فيما يتعلق بواقع المقترح الأخير، فقد يكون أقصى ما يُقدم هو هدنة ضعيفة تخدم أولًا وأخيرًا مصالح إسرائيل؛ حيث تُبقي الاحتلال قائمًا وتستنزف جوهر المقاومة الفلسطينية.
إن السلام الحقيقي لا ينبع من توصيات مكاتب الخارجية الأمريكية ولا يتشكل عبر اتفاقيات جزئية أو مؤقتة، إنه يُولد فقط عندما يكون هناك موقف عربي وإسلامي موحد وصامد يدفع باتجاه انتزاع الحقوق الوطنية المغتصبة بعيدًا عن لعبة المفاوضات العبثية.
في نهاية المطاف، تُظهر التجارب المتكررة أن أي جهد سلام لا يؤدي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة تبقى مجرد وهم سياسي أو خدعة مُحكمة لإبقاء الأمور تحت السيطرة دون تغيير حقيقي.
والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هنا هل سيظل العالم العربي والشعب الفلسطيني ضحية لنفس اللعبة إلى ما لا نهاية؟













