لم تعد معاناة الطبقة العاملة المصرية حديثًا هامشيًا أو قضية موسمية تُثار في المناسبات، بل أصبحت وجعًا يوميًّا متجذرًا في حياة ملايين الأسر التي تعيش على الأمل أكثر مما تعيش على الدخل.
العامل المصري، الذي كان دائمًا رمزًا للصبر والعطاء، يجد نفسه اليوم محاصرًا من كل اتجاه: غلاء الأسعار، تدني الأجور، ضعف الخدمات، وغياب العدالة الاجتماعية.
حين تحدد الدولة حدًّا أدنى للأجور، فإن الهدف أن يضمن هذا الحد حياة كريمة للعامل وأسرته. لكن الحقيقة المؤلمة أن الحد الأدنى الحالي لا يسد حتى متطلبات أسبوع واحد في ظل الأسعار الحالية.
الإيجارات وحدها تلتهم ثلث أو نصف المرتب، والمواصلات اليومية أصبحت نزيفًا مستمرًا من الجيب، والمواد الغذائية الأساسية كالأرز والزيت والسكر تضاعفت أسعارها في شهور قليلة.
أما مصروفات المدارس، فقد أصبحت عبئًا ثقيلًا على كل أسرة عاملة، والكتب والزي المدرسي والدروس الخصوصية صارت واقعًا لا مفر منه. أما العلاج، فقد تحوّل إلى حلم بعيد المنال لا يقدر عليه إلا القادرون.
الحديث عن العدالة الاجتماعية أصبح شعارًا بلا مضمون حين لا يشعر العامل بثمرة جهده. فكيف يمكن أن نتحدث عن تنمية مستدامة بينما من يبنيها لا يجد ما يسد رمقه؟ العامل الذي يخرج من بيته قبل شروق الشمس، ويعود بعد غروبها، يعمل في ظروف قاسية، في مصانع تفتقر أحيانًا لأبسط وسائل الأمان، ثم يتقاضى راتبًا لا يكفي لتلبية احتياجات أسرته.
هذا العامل لا يحتاج إلى خطابات تحفيزية أو وعود براقة، بل إلى سياسات واقعية تحفظ كرامته وتعيد له حقه في الحياة الكريمة.
أزمة السكن أصبحت وجعًا عامًا للعمال في المدن الصناعية. فالإيجارات ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، والبدائل قليلة. العامل الذي كان يستطيع قبل سنوات أن يعيش في شقة صغيرة بكرامة، أصبح اليوم يبحث عن غرفة أو سكن مشترك لتقليل النفقات.
أين السكن العمالي؟ وأين المشاريع التي وُعد بها العمال؟ لماذا يظل هذا الملف معلقًا بينما تُصرف المليارات على مشاريع لا تمس حياة الناس اليومية؟
أما الجانب الصحي، فالألم أعمق. العامل المصري أكثر الفئات عرضة للأمراض المهنية والإرهاق الجسدي، ومع ذلك لا يحصل على رعاية طبية كافية.
التأمين الصحي في صورته الحالية لا يغطي إلا الحد الأدنى من الخدمات، والمستشفيات الحكومية تعاني من ضعف الإمكانات والزحام.
كم من عامل أُصيب في عمله أو مرض ولم يجد سريرًا في مستشفى عام! أليس من حق هذا العامل أن يُعالج بكرامة، وهو الذي يُسهم بجهده وعرقه في بناء هذا الوطن؟
وحين نأتي إلى التعليم، فالمشهد لا يقل قسوة. التعليم أصبح عبئًا ثقيلًا على الأسر محدودة الدخل، وأبناء العمال يدفعون ثمن التفاوت الطبقي.
العامل الذي يحلم أن يرى ابنه في مكان أفضل منه يصطدم بواقع لا يرحم، حيث لا يحصل على تعليم جيد إلا من يدفع.
التعليم، الذي كان أمل الطبقة العاملة في الصعود الاجتماعي، أصبح بابًا مغلقًا أمامهم في غياب الدعم والرعاية.
رغم كل هذه المعاناة، ما زال العامل المصري صابرًا، مخلصًا في عمله، مؤمنًا بأن وطنه يستحق منه الصبر والعطاء. لكنه ينتظر أن يشعر أن الوطن يبادله الإخلاص بالإنصاف، وأن العدالة لا تبقى حبرًا على ورق.
نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب فقط أن تُربط الأجور بمعدلات الأسعار، وأن يكون للعامل تأمين صحي حقيقي يضمن له العلاج الآدمي، وتعليم كريم لأبنائه، وسكن آمن يليق بآدميته.
نريد رقابة على الأسواق تكبح جشع التجار، ونريد أن تعود العدالة إلى معناها الحقيقي في حياة الناس لا في بيانات الصحف.
إن على الحكومة أن تضع الطبقة العاملة في قلب اهتماماتها لا في الهامش، وعلى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر أن يستعيد دوره التاريخي في الدفاع عن العمال لا أن يكون متفرجًا.
لقد صبر العمال كثيرًا وتحملوا ما لا يتحمله غيرهم من أجل استقرار الوطن، وحان الوقت أن يشعروا أن هذا الوطن لا ينساهم في معادلة الإصلاح الاقتصادي.
العامل المصري ليس عبئًا على الدولة، بل هو عمودها الفقري الحقيقي، هو الذي يبني ويزرع ويصنع ويحرس، لكنه يحتاج أن يعيش بكرامة، وأن يحصل على أجر يليق بجهده، وسكن يليق بإنسانيته، وعلاج يليق بعمره.
الوطن القوي لا يُبنى إلا بسواعد قوية، والسواعد لا تظل قوية إلا إذا وجدت ما يغذيها من عدل وإنصاف وكرامة.
قيادي عمالي










