غزة، تلك المدينة التي أصبحت مرادفا للمعاناة والصمود، لا تعد خسارتها بعدد الحجارة المتساقطة، بل بعدد الأرواح التي تأبى الانكسار.
مدينة ولدت من رحم الألم مرة تلو الأخرى وتحدى أهلها الأحزان ليصنعوا من تحت الرماد حياة تنبض بالأمل.. أرواح الغزيين تشبه طائر العنقاء، تنهض من العدم وتحلق رغم كل القيود.
في كل شارع هدم وكل منزل فقد سقفه، تجد إرادة تعلن بصوت صامت وقوي أن غزة لا تموت، هي حكاية شعب لا يُقهر، كتبت بدماء الشهداء وصبر الأبطال، الذين تحولوا إلى شعلة متجددة للأجيال المقبلة.
مشاهد الدمار التي أحرقت الأحلام لم تستطع أن تطفئ جذوة العزيمة المتجذرة في قلوب الفلسطينيين.
تحت الركام المكسر تنبض منظومة اقتصادية فريدة من نوعها، اقتصاد قائم على الصبر والإصرار أكثر منه على الأموال والموارد.
تشاهد وسط الدمار صورة الحياة المستمرة، العامل الذي ينفض الغبار عن نفسه ليبحث عن رزقه، المرأة التي تعد الخبز باستخدام رماد منزلها، والطفل الصغير الذي يبيع ما تبقى من سلع عائلته على زاوية طريق.
هنا في غزة، الانتظار لا يجدي نفعا، لأن الحياة لا يمكن أن تركن جانبا في مواجهة الموت البطيء.
الإعمار في غزة ليس مجرد عملية إعادة بناء للبنية التحتية، بل هو معركة كرامة وصراع من أجل البقاء.
الحصار الذي يتحكم في المعابر والقرارات ويملك يدا ثقيلة على حياة الناس لم يفلح في كسر الإرادة الفلسطينية، الحلم وإن كان محاصرا فهو لا يموت، وهنا يتجسد معنى النهوض رغم الألم.
رغم وعود الإعمار العديدة وخطط المشروعات التي لم تر النور، تعلمت غزة كيف تبني ذاتها، تعلمت أنها بحاجة إلى استثمار في الإنسان قبل الحجر، في التعليم قبل الإسمنت، وأن الكرامة الإنسانية هي الأساس الحقيقي لأي نهضة.. لقد صنعت من ألمها طريقا يوصلها إلى الإبداع والتماسك.
وعلى الجانب الآخر، تقف مصر شامخة بجوار غزة، شاهدة على معاناتها وداعمة لقضيتها، فلا يُنظر إلى الدور المصري في إعمار غزة على أنه مجرد مساعدة عابرة بل هو واجب قومي تجسده الروابط التاريخية والجغرافية.
عبر بوابة مصر تمر الحياة إلى غزة، ومن خلالها يصل النداء الفلسطيني إلى العالم، القاهرة تدرك أن استقرار المنطقة بأسرها مرتبط باستقرار هذه البقعة الصغيرة التي حملت وزر تاريخ صعب.
اليوم تنتظر غزة شيئًا أكبر من الشفقة وأعمق من الدعم المشروط؛ تنتظر إيمانا حقيقيا بقدرتها على النهوض، الإعمار الحقيقي يبدأ من الداخل، من الاعتقاد أن الشعوب التي تصمد في وجه الحروب قادرة على بناء السلام دون تردد.
غزة ليست ضحية تبحث عن منقذ، بل رمز لعزيمة تجعلها تنهض مجددا مع كل سقوط.
ستبقى غزة الدليل الحي على أن الحياة تنتصر دائما على الموت مهما اشتد وقعه، وأن القوة البشرية قادرة على قهر آثار الحرب وإحياء الآمال الكبرى.. بهذه الروح التي لا تسقط ستظل غزة شاهدا عظيما على انتصار الإرادة الإنسانية أمام أقسى الظروف.













