لم تكن الصورة التي اجتاحت مواقع التواصل مجرد «منشور» عابر، بل كانت شرارة غضب شعبي حقيقي. أن يقول أحدهم إن «الجلابية الصعيدي لا تمثل مصر» هو كمن يعلن أن مصر بلا جذور، وأن النيل بلا منبع. تصريح كهذا لا يُقرأ إلا باعتباره إهانة متعمدة لهوية وطن بأكمله، وإساءة لأعرق جزء من نسيجه الإنساني والثقافي.
الحكاية بدأت عندما ظهر رجل صعيدي بسيط مرتديًا جلابيته النظيفة، بصحبة سيدة مصرية محترمة في زيارة للمتحف المصري الكبير، في لحظة فخر واعتزاز بتاريخ بلاده، ووسط صرح حضاري يمثل قلب الهوية المصرية أمام العالم.
لم يذهب الرجل إلى المتحف ليتفاخر بمال أو مظهر، بل ليصافح التاريخ بملامحه الطيبة وثوبه الذي يختصر حكاية وطن.
لكن بدلاً من أن يُحتفى بتلك الصورة الإنسانية الجميلة، خرجت أصوات نخبوية تتطاول على الجلابية، وكأن الأصالة جريمة، وكأن المصري الأصيل أصبح دخيلًا على حضارته!
وهنا يحق لنا أن نسأل هؤلاء المتضررين من الجلابية: هل لو جاء زائر من اليابان بزيه التقليدي، أو من الهند بالساري، أو من الخليج بعباءته، أو من إفريقيا بملابس تراثية، هل سيجرؤ أحد على منعه من دخول المتحف؟
أم أن «التحضر» عندكم يُقاس فقط بمقاس البدل وربطات العنق؟
هل صار من العيب أن يكون المصري في بيته متصالحًا مع تراثه، بينما نفتح الأبواب للسائحين كي يلتقطوا الصور داخل المتحف بملابسهم الوطنية؟ إنه نفاق ثقافي لا يليق بمصر ولا بتاريخها.
أبناء الصعيد ليسوا مجرد فئة جغرافية أو لهجة مميزة، بل هم الوجه الأصيل لمصر القديمة والحديثة معًا.
من تراب الصعيد خرج المهندسون الذين شيدوا السد العالي، والعلماء الذين رفعوا راية المعرفة، والجنود الذين وقفوا على خط النار في أكتوبر، فكيف يجرؤ أحد أن يختزلهم في قطعة قماش أو يزعم أنهم خارج صورة مصر «الشيك»؟
الجلابية الصعيدي ليست «زيًا ريفيًا» كما يراها البعض من وراء الزجاج الفاخر للمكاتب المكيفة، بل هي رمز الانتماء الحقيقي.. هي علمٌ من القطن الخالص، لا يعرف الزيف ولا التصنع، حمله الفلاح والمعلم والجندي، في مواجهة كل أشكال الزخرفة التي أفسدت مفهوم الهوية وأغرقت المجتمع في مظهر بلا جوهر.
من يتنكر للجلابية يتنكر لمصر ذاتها، لأن مصر الحقيقية لم تُبن في صالونات القاهرة وحدها، بل في قرى الصعيد وسهوله، حيث العرق المقدس الذي أنبت الحضارة، من هناك جاء أول الحرف، وأول معبد، وأول قسم شرف في تاريخ هذه الأرض.
الحديث عن «الشياكة» و«الأناقة» لا يصنع هوية وطن، بل يفضح انفصال النخبة عن واقعها الشعبي، من يرى في الجلابية رمز تخلف، عليه أن ينظر في مرآته أولًا، ليدرك أن التخلف الحقيقي هو أن تنكر أصلك وتزدري رموزك باسم التحضر.
الصعيد اليوم لا يرد بالإساءة، بل بالفخر، هو لا يطلب اعترافًا من أحد، لأن التاريخ نفسه منح أبناءه ختم الأصالة، ومن أراد أن يعرف مصر على حقيقتها، فليذهب إلى الجنوب، حيث لا يحتاج الرجال إلى ربطة عنق ليبدوا محترمين، ولا النساء إلى ماركة أجنبية ليبدين أنيقات.
الجلابية الصعيدي ليست ثوبًا يُقاس بالقماش.. بل كرامة تُقاس بالوجدان، ومن يستهين بها، كمن يستهين بمصر نفسها.














