في خطبة جمعة عابرة، مرّ الخطيب على عبارة بدت جزءًا من سياق الوعظ، بلا توقف طويل ولا شرح موسّع «إذًا لن يُضيعنا الله».
عندما سألت أمنا هاجر المصرية أبو الأنبياء زوج نبي الله إبراهيم خليل الله عليه السلام عن تركه لها وولدها اسماعيل في صحراء مكة القاحلة الموحشة، لمن تركتنا فقال لها مجيبا اجابة المتيقن المؤمن كامل الإيمان تركتكم لله.
لكن ما يمر على المنبر سريعًا، لا يمر دائمًا على القلب بالسرعة نفسها.
تلك الجملة، كما حدث لي، لا تغادر الذهن بسهولة. بل تفعل ما لا تفعله كثير من الخطب… تُقيم في الداخل، وتبدأ عملها الصامت في إعادة ترتيب الأسئلة القديمة.
هي في الأصل ليست جملة خطيب، ولا حتى جملة تاريخية عابرة، بل صدى صوت امرأة مصرية، أمنا هاجر عليها السلام، زوج نبي الله إبراهيم عليه السلام، حين تُركت في وادٍ غير ذي زرع، لا أنيس فيه ولا زاد، سوى طفل رضيع ورجاء ممتد إلى السماء.
في تلك اللحظة التي ينهار فيها منطق البشر، لم تنهَر هي. قالت ما هو أبعد من التحليل والخوف: إذًا لن يُضيعنا الله.
جملة واحدة، لكنها صنعت تاريخًا كاملًا من المعنى. لم تكن مجرد تعبير عن صبر، بل إعلان يقين في مواجهة أقسى أشكال الانقطاع… انقطاع كل الأسباب.
ومن المفارقات التي تستوقف العقل قبل القلب، أن من هذا الموضع القاحل، من قلب الصحراء، خرجت زمزم، وبدأت رحلة السعي بين الصفا والمروة، وأصبح المكان الذي كان رمزًا للفراغ، مركزًا للحياة والعبادة والأمن إلى يوم الناس هذا.
هنا لا نتحدث عن سرد ديني فقط، بل عن فلسفة كاملة في العلاقة بين الإنسان والقدر… حين يُغلق كل باب، لا ينتهي المشهد، بل يبدأ باب آخر لا تراه العين، لكنه يُدرك باليقين.
ولأننا نميل أحيانًا إلى قراءة التاريخ كأحداث منفصلة، ننسى أن هناك خيطًا خفيًا يربط هذه القصة بواقعنا المعاصر… حاجة الإنسان الدائمة إلى الأمان وسط عالم متغير، مضطرب، لا يمنح ضمانات مكتملة لأي شيء.
لذلك، لم تكن العبارة مجرد موعظة عابرة في خطبة جمعة، بل كانت – دون أن يُدرك كثيرون – مفتاحًا لفهم معنى أن يطمئن الإنسان رغم غياب الأسباب الظاهرة.
إنها دعوة خرجت من قلب امرأة مصرية في لحظة امتحان كوني، لكنها لم تُدفن في الماضي، بل بقيت تعمل في الوعي الإنساني حتى اليوم.
وما بين مصر والحجاز، وبين الصحراء والماء، وبين الغربة والوعد، تبقى هاجر رمزًا لا يُستدعى للتاريخ فقط، بل للحاضر أيضًا… حين يتعب الإنسان من الحسابات، ويكتشف أن اليقين لا ينتظر اكتمال الأسباب.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء:
كم مرة أُغلق باب الأمل في داخلنا… بينما لم يُغلق الله بابًا واحدًا قط؟














