في بلد يلجأ فيه المريض إلى طبيبه محملاً بأعباء الألم وآماله في الشفاء، تبقى الثقة حجر الزاوية للعلاقة بين الطرفين، فهي التي تدفع المريض، رغم ضعفه ومعاناته، للإفصاح عن تفاصيل حالته الصحية وتسليم حياته لمختص يُفترض أنه أمضى سنوات طويلة يتعلم ويتمرن لتقديم العناية المثلى.
ومع ذلك، هناك أحداث صادمة تهدم هذه الثقة من جذورها، كما حدث في حادثة الطبيب المزيف الذي استطاع بخدعة محكمة التظاهر بأنه رئيس قسم القلب في إحدى الجامعات المرموقة.
وافتتح عيادة في قلب القاهرة، واستقبل المرضى مدعيًا كفاءته الطبية، إلى أن انكشف أمره واتضح أنه مجرد محتال دون أي مؤهلات.
ما يثير القلق هو أن هذه الحادثة لا تقتصر على قضية انتحال شخصية، بل تكشف عن أزمة عميقة تضرب قلب النظام الرقابي في القطاع الصحي.
كيف تمكن هذا المدعي من خداع المرضى والجهات المختصة لفترة طويلة؟ أين كانت الجهات المعنية بتصاريح ممارسة المهنة والإشراف على العيادات؟ ولماذا يجد المواطن البسيط نفسه دون حماية أمام مثل هذا النمط من الاستغلال؟
في مجتمع يفتقر فيه الفرد إلى الوسائل التي تتيح له التحقق من المؤهلات المهنية، تصبح الواجهة والعبارات الدعائية كافية لإقناع المرضى، هنا تبرز مسؤولية الدولة وأجهزتها الرقابية، فمن غير المعقول أن يتحمل المريض عبء التحقق من صدقية شهادات مَن يقدّم له الخدمة الطبية.
الكشف عن هذه الحادثة يفتح الباب أمام تساؤلات ملحة كيف استطاع هذا الشخص ممارسة مهنة بهذه الحساسية؟ كيف سمح النظام بوجوده لفترة طويلة دون أن يُكتشف أمره؟ كم عدد المرضى الذين تعاملوا معه وتعرضوا لتشخيصات خاطئة أو تناولوا أدوية غير مناسبة؟ وكم من الأضرار النفسية والجسدية نتجت عن هذه الجريمة الشنيعة؟
هؤلاء الضحايا ليسوا مجرد أرقام في تقارير رسمية؛ إنهم أشخاص حُطمت آمالهم وتضررت حياتهم بسبب استغلال صارخ يزعزع أساس الثقة في المنظومة الطبية، وإن كان القيض على الجاني خطوة أولى مهمة، فإن القضية تتطلب تحقيقًا عميقًا يكشف جميع ملابساتها، ويضمن تعويض المتضررين، ويضع تشريعات محكمة لمنع تكرار مثل هذه الفواجع مستقبلاً.
الأمر أكبر من مجرد فضح شخص قام بانتحال صفة طبيب؛ إنها تنبيه خطير إلى ثغرات واضحة في أنظمة الرقابة الصحية، وإذا حدث هذا النوع من الجرائم جهارًا نهارًا في قلب العاصمة دون اكتشاف أو تدخل سريع، فإن الخوف يتصاعد من احتمال وجود حالات مشابهة لا تزال تمارس الاحتيال مستغلة ضعف الرقابة.
يبقى التساؤل الجوهري كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في نظام الرعاية الصحية والقائمين عليه؟ وما هي الخطوات الجوهرية المطلوبة لتحصين القطاع الطبي من هذه الجرائم التي لا تقتصر خسائرها على الأرواح فحسب، بل تمتد لتثقل المجتمع بأعباء اجتماعية واقتصادية هائلة؟














