على مدى سنوات طويلة، وجد المواطن المصري نفسه متابعًا لحركة الاقتصاد العالمي رغمًا عنه، مدفوعًا بضرورة التأقلم مع تقلبات قد تؤثر على حياته اليومية، فبات يراقب أسعار النفط، وسعر صرف الدولار، وأسعار الذهب، وسط تطورات الحروب والأزمات الدولية، ليس شغفًا بالسياسة أو الاقتصاد، بل بدافع الخشية من زيادة الفواتير وغلاء المعيشة الذي يثقل كاهله بشكل مستمر.
مع كل أزمة دولية جديدة، سواء كانت حربًا بعيدة أو ارتفاعًا في أسعار النفط أو اضطرابًا في الأسواق العالمية، يُلقي هذا كله بثقله مباشرة على حياة المواطن، ولا تلبث هذه الأحداث البعيدة أن تتحول إلى واقع ملموس بتزايد أسعار السلع والخدمات وتصاعد الأعباء اليومية.
على مدار هذه السنوات، اعتاد المصري سماع تفسيرات تربط الأزمات المحلية بـ«الأوضاع العالمية» والاقتصاد الدولي، مع مطالبات مستمرة بالصبر حتى «تحقيق الاستقرار».
ومع الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع أسعار النفط نتيجة المخاوف حول استقرار منطقة الخليج الحيوية للطاقة، عاش المواطن أصداء هذه التطورات بنفس الطريقة المعهودة بتوتر وقلق من انعكاسها على جيبه ومستوى معيشته.
لكن في أعقاب الأزمة، ومع عودة الأسواق إلى نوع من الاستقرار وانخفاض أسعار النفط والذهب، تبقى الأسئلة حاضرة في بيوت المصريين لماذا لا يجدون انعكاس هذا التحسن على حياتهم اليومية؟ كيف يكون المواطن أول المتأثرين بارتفاع الأسعار عالميًا، بينما يبدو أثر التحسن الاقتصادي بعيد المنال؟
لقد أظهر المواطن المصري صبرًا بالغًا على الإصلاحات الاقتصادية وتحمل موجات التضخم، دون أن ينتظر رفاهية؛ فقط كان يأمل بمبادرات لتخفيف الأعباء التي أثقلت الحياة اليومية.
وكان يتوقع أن تؤدي الظروف الإيجابية، مثل انخفاض أسعار النفط واستقرار الدولار، إلى تحسين الحالة الاقتصادية بشكل ملموس في مجالات النقل والإنتاج والأسعار.
لكن واقع الحال مختلف تمامًا؛ فأسعار السلع والخدمات تتجه نحو الارتفاع بشكل مستمر، وكأنها ترفض الهبوط رغم وجود ما يدعو إليه، يبدو جليًا أن العلاقة بين الاقتصاد المحلي والعالمي تسير في اتجاه واحد فقط، التأثر بالأزمات، ومع استمرار هذا النهج، يكاد الزحام الاقتصادي يتجاهل الانفراجات العالمية سواء عمدًا أو بموجب تقصير.
ليس ما يطلبه المواطن مبالغًا أو بعيد المنال، بل هو حق أساسي في عدالة اقتصادية بسيطة، تلك العدالة التي تستوجب تراجع الأسعار بقدر ما ترتفع حين تفرض الأزمات ذلك، فمن الطبيعي أن يسأل لماذا لا يخفف الاقتصاد العالمي بعض العبء عن كاهلنا عندما تتحسن المؤشرات؟
الاقتصاد ليس مجرد أرقام ونسب تُسجل في التقارير؛ بل هو انعكاس لمدى قدرة الناس على تلبية احتياجاتهم الأساسية والعيش بكرامة، ومع ذلك، يبدو أن السياسات الاقتصادية المحلية مصممة لتحرك الأسعار باتجاه تصاعدي فقط دون النظر إلى التغيرات الإيجابية عالميًا.
فيما تستعيد أجزاء من العالم شيئًا من استقرارها مع تراجع الأزمة الاقتصادية العالمية تدريجيًا، يبقى المصري عالقًا في دوامة ارتفاع الأسعار المستمر.
ينظر بعين متوجسة لانخفاض تكلفة النفط والذهب والدولار دون أن يشعر بأي تغييرات ملموسة تحسن حياته، وبينما يكرر التساؤلات ذاتها لماذا سرعة التأثر بالأزمات لا تقابلها نفس السرعة في جني ثمار التحسينات؟ تبقى الإجابة غائبة.
وحتى ذلك الحين، يستمر الملايين في الترقب بما يشوبه خليط من الصبر والأمل البعيد لعل يوم الرخاء قريب!













