أثارت تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بشأن توجه الدولة نحو تصدير العقار المصري وفتح مزيد من المجالات أمام تملك الأجانب للعقارات، نقاشًا واسعًا حول جدوى هذا التوجه وانعكاساته على سوق الإسكان في مصر.
ولا شك أن جذب الاستثمارات الأجنبية وزيادة موارد الدولة من العملة الصعبة هدف مشروع تسعى إليه كل الاقتصادات، كما أن القطاع العقاري يمثل أحد أهم القطاعات القادرة على تحريك عجلة الإنتاج وتوفير فرص العمل، لكن أي سياسة اقتصادية ناجحة تحتاج إلى ترتيب الأولويات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بسلعة أساسية تمس حياة المواطنين، وهي السكن.
الفكرة الاقتصادية المستقرة في أي عملية تصدير للمنتجات تقوم على أن يبدأ التصدير بعد تحقيق قدر مناسب من الإشباع للسوق المحلي، حتى لا يتحول تصدير المنتج إلى ضغط إضافي على المواطنين في الداخل، فليس من المنطقي أن نوجه جزءًا كبيرًا من المنتج العقاري إلى أسواق خارجية أو لمشترين من خارج البلاد، بينما ما زال قطاع واسع من المصريين يبحث عن مسكن مناسب لسنوات طويلة.
الواقع يؤكد أن أزمة السكن لا تزال قائمة لدى ملايين الشباب المقبلين على الزواج، والأرامل، والمطلقات، وكبار السن، وأصحاب الدخول المحدودة الذين لم يتمكنوا من امتلاك وحدة سكنية رغم مرور سنوات من الانتظار والمحاولات.
هؤلاء لا يبحثون عن وحدات فاخرة أو استثمارية، وإنما عن مسكن آمن يتناسب مع قدراتهم الاقتصادية ويحفظ لهم حقهم الطبيعي في الاستقرار.
فتح الباب أمام تملك الأجانب للعقارات دون ضوابط تحقق التوازن المطلوب قد يؤدي إلى آثار جانبية، من بينها ارتفاع الأسعار في بعض المناطق الجاذبة، وتحول العقار من وسيلة للسكن إلى أداة للمضاربة والاستثمار، بما يزيد الفجوة بين أسعار الوحدات وقدرة المواطن العادي على الشراء.
التحدي الحقيقي ليس في جذب المستثمر الأجنبي، وإنما في كيفية تحقيق المعادلة التي تحفظ حق الدولة في تنمية مواردها، وفي الوقت نفسه لا تجعل المواطن المصري هو الطرف الذي يدفع ثمن ارتفاع الطلب على العقار.
وعند الحديث عن المدن الجديدة والمشروعات العقارية الكبرى، تظل هناك فئة من المصريين تبدو وكأنها سقطت من حسابات السوق وخطط الاستثمار؛ هؤلاء الذين لا يملكون القدرة على شراء وحدات فاخرة أو الدخول في منافسة الأسعار المتصاعدة.
إن مصر تحتاج إلى جانب المدن الاستثمارية الكبرى، إلى مدن حقيقية لـ«البسطاء» وذوي الدخول المحدودة، مدن تُبنى من أجل الإنسان قبل الحجر، توفر لهم سكنًا كريمًا يتناسب مع إمكانياتهم ويحفظ لهم حقهم في حياة مستقرة.
فما زالت البلاد في حاجة ملحة إلى مشروع قومي مستدام لبناء مدن مدعومة من الدولة تستوعب الملايين الذين يبحثون عن فرصة للسكن، وتعيد الاعتبار لفئات أصبحت خارج حسابات السوق العقارية.
العمران الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الأبراج والمشروعات الفاخرة، والكمبوندات الذكية، بل بقدرته على احتواء كل فئات المجتمع، خاصة من لا صوت لهم في معادلات الاستثمار.
إن تصدير العقار يمكن أن يكون فرصة اقتصادية مهمة، لكن نجاحه يتطلب أن يسير جنبًا إلى جنب مع سياسة واضحة تضع السكن المناسب للمواطن المصري في مقدمة الأولويات، فالعقار ليس مجرد سلعة للبيع والشراء، بل هو حق اجتماعي وركيزة أساسية للاستقرار الأسري والمجتمعي.
والسؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا عند رسم أي سياسة عقارية هل نبني أولًا وطنًا يجد فيه كل مواطن مكانًا يعيش فيه بكرامة، ثم نصدر الفائض؟ أم نفتح الباب أمام التصدير بينما ما زال كثيرون ينتظرون مفتاح شقة يحلمون بها؟.. ارحمونا يرحمكم الله.












