في الأعوام الأخيرة، باتت كلمة واحدة تتردد بإلحاح على أسماع المواطن المصري «تحمّل»، تحمل الغلاء المستمر، تحمل عبء الضرائب المتزايدة، تحمل تدهور الخدمات، وتحمل أزمات لا تتوقف، جعلت من تفاصيل الحياة اليومية سباقًا مستمرًا من أجل البقاء، لا من أجل العيش الكريم.
في ظل هذا الواقع الثقيل، أصبح الحديث عن الحقوق أشبه برفاهية مؤجلة أو بندًا معلقًا لا يجد أحد الوقت لمجرد فتحه، المواطن الذي يخرج كل صباح محملًا بالإرهاق، ويعود في المساء مثقلًا بالهموم والانكسار، لم يعد يستوعب كيف يُطلب منه دفع الفاتورة بشكل كامل، بينما نصيبه من حياة كريمة يتقلص عامًا بعد الآخر.
الأسعار في ارتفاع دائم ومخيف، بينما الأجور تفقد قيمتها الحقيقية في خضم الغلاء، الخوف من المستقبل لم يعد مجرد فكرة عابرة، بل تحول إلى شبح دائم يظل حاضرًا في كل بيت مصري.
وبينما تتحدث الحكومة بإسهاب عن المشاريع والإنجازات، يتحدث الشارع عن مشاهد أخرى، عن أب عاجز أمام متطلبات أسرته المتزايدة، عن شاب بات يرى الزواج حلمًا مستحيلًا، وعن أسرة تخاف فاتورة الكهرباء أكثر مما تخشى الغد القريب.
الأزمة اليوم لا تتوقف عند الجانب الاقتصادي؛ بل امتدت لتصبح أزمة نفسية كذلك، شعب بأكمله يعيش تحت وطأة ضغط لا يهدأ، يبتلع غضبه يوميًا ويحاول النجاة في حياة صارت أقسى من أن تُحتمل.
في أي دولة تحترم مواطنيها، ينبغي أن تقوم العلاقة على توازن منطقي بين الحقوق والواجبات؛ الدولة تطالب لكنها تدعم أيضًا، أما حين تصبح العلاقة سلسلة متصلة من المطالب دون مقابل ملموس سوى وعود مؤجلة، فإن جوهر الأزمة يتعدى الجيوب ليصل إلى الثقة المهتزة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
المواطن المصري اليوم لم يعد يبحث عن رفاهية زائفة أو وعود براقة، كل ما يصبو إليه هو الشعور بالأمان والكرامة؛ أن يعلم أنه ليس مجرد رقم في معادلة الضرائب والفواتير، وأن قيمته كمواطن ليست عبئًا إضافيًا على وطنه.
الأمر الأكثر خطورة ليس الغضب المشتعل في النفوس، بل اعتياد الناس الألم، وتقبلهم الصبر عليه باعتباره قدرًا محتومًا لا سبيل للخلاص منه.
عندما يصبح الصمت هو الرد الأبرز على الوجع، وعندما يتحول التعايش مع المشقة إلى نمط يومي لا مفر منه، فنحن أمام إرهاق جماعي صامت.
ومع ذلك، يبقى المواطن المصري صامدًا بشموخه المتوارث رغم كل المعاناة، ولكن السؤال الذي بات يتردد على الألسنة في كل بيت وشارع: «إلى متى؟».














