استمعتُ باندهاشٍ بالغ، وباستغرابٍ لا يخلو من الصدمة، إلى الحوار الذي جمع ضابط الاستخبارات الأمريكي السابق جون كيرياكو، بالإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون.
ذلك الحوار الذي تناول جانبًا شديد الحساسية من التجربة الأمريكية في أفغانستان، وكشف – أو على الأقل ألقى ضوءًا كثيفًا – على واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق في عالم السياسة الدولية المعاصرة.
جون كيرياكو، المعروف بمواقفه الناقدة للسياسات الأمريكية، وبمحاولاته المستمرة لكشف كثير من الممارسات التي جرت خلف الستار خلال ما سُمّي بـ«الحرب على الإرهاب»، لم يكن يتحدث هذه المرة عن التعذيب أو السجون السرية أو الإخفاقات العسكرية فحسب، بل عن ملف أشد خطورة وإيلامًا: ملف المخدرات، والخشخاش، والهيروين، والعلاقة الملتبسة بين الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وبين التحول الهائل الذي شهدته البلاد في إنتاج الأفيون.
ما أثار دهشتي حقًا لم يكن مجرد النقد السياسي التقليدي للولايات المتحدة، فهذا أمر بات مألوفًا حتى داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وإنما تلك الرواية المباشرة التي سردها كيرياكو عن لقائه بأحد المزارعين الأفغان أثناء عمله في مهام مرتبطة بالتفتيش والمتابعة داخل أفغانستان عقب الغزو الأمريكي عام 2001.
يقول الرجل – بحسب ما ورد في الحوار – إنه سأل المزارع الأفغاني عن سبب اتجاهه إلى زراعة الخشخاش بدلًا من المحاصيل الزراعية التقليدية، كالفواكه والخضروات والطماطم وغيرها من الزراعات التي يمكن أن تعيش عليها الأسر الريفية بصورة طبيعية، فجاءه الرد صادمًا وصريحًا: «الأمريكيون هم من طلبوا منا ذلك».
قد يختلف الناس حول دقة هذه الشهادة، وقد يراها البعض مجرد رواية فردية تحتاج إلى مزيد من التحقق والتوثيق، لكن الخطير فيها أنها لا تأتي في فراغ، ولا تتناقض مع واقع ظل العالم يشاهده طوال عقدين كاملين من الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، حيث تحولت البلاد إلى المنتج الأكبر للأفيون والهيروين في العالم، وسط عجز أمريكي مثير للتساؤلات، أو ربما – كما يعتقد كثيرون – وسط غض طرف مقصود عن اقتصاد ضخم ارتبط بالحرب والنفوذ وأمراء الميليشيات وشبكات المصالح المعقدة.
ومن هنا تبدأ الأسئلة الكبرى التي لا يمكن تجاهلها.
لم يعد العالم اليوم يتلقى الرواية الأمريكية الرسمية باليقين القديم نفسه، ولم تعد شعارات «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«تحرير الشعوب» قادرة على إخفاء الأسئلة الثقيلة التي تراكمت فوق الذاكرة الإنسانية خلال العقود الأخيرة.
فمن فيتنام إلى العراق، ومن السجون السرية إلى الانقلابات المدعومة استخباراتيًا، ومن دعم الميليشيات إلى توظيف الجماعات المسلحة في الحروب بالوكالة، تتشكل صورة مختلفة تمامًا عن تلك التي حاولت الولايات المتحدة تسويقها لنفسها باعتبارها «حامية العالم الحر».
لقد ظلت أفغانستان لسنوات طويلة المنتج الأكبر للأفيون في العالم، حتى وصلت – وفق تقديرات دولية متداولة – إلى إنتاج ما يقارب 93% من الهيروين العالمي في بعض الفترات.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لقوة عسكرية واستخباراتية بحجم الولايات المتحدة، احتلت أفغانستان لعشرين عامًا تقريبًا، وسيطرت على المجال الجوي والأمني والعسكري والاستخباراتي، أن تعجز عن وقف هذا الاقتصاد الأسود الهائل؟
وهل يُعقل أن تكون واشنطن قد خاضت «حربًا عالمية على الإرهاب» بكل هذا العنف والاتساع، بينما كانت تجارة المخدرات – التي تمول جماعات مسلحة وشبكات فساد وأمراء حرب – تتضخم تحت سمعها وبصرها؟
هنا تحديدًا تتجاوز القضية حدود «الفشل العسكري» إلى احتمالات أكثر خطورة، تتعلق بطبيعة التفكير الإمبراطوري نفسه، حين تصبح الحروب مجرد أدوات لإعادة تشكيل الخرائط، وإدارة النفوذ، والسيطرة على المجتمعات، حتى ولو جرى ذلك على حساب تدمير الإنسان نفسه.
فالولايات المتحدة لم تدخل أفغانستان باعتبارها جمعية خيرية دولية، ولم تكن حروبها يومًا بريئة من الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية والجيوسياسية، والتاريخ الحديث يكشف بوضوح أن القوى الكبرى كثيرًا ما استخدمت كل الأدوات الممكنة – المشروعة وغير المشروعة – من أجل تثبيت النفوذ وإعادة تشكيل العالم وفق مصالحها.
وليس خافيًا أن تجارة المخدرات عالميًا ارتبطت عبر التاريخ بمناطق النزاعات، وبشبكات تهريب عابرة للحدود، وباقتصادات سوداء تتقاطع فيها أجهزة استخبارات، ومافيات، وأمراء حرب، وجماعات مسلحة، ومصالح مالية هائلة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس… هل الولايات المتحدة «ملاك بريء» أم «شيطان مطلق»؟
بل السؤال الأهم… إلى أي مدى يمكن للقوة العظمى أن تتورط – بالصمت أو التواطؤ أو التوظيف غير المباشر – في أنشطة تدمر شعوبًا بأكملها إذا كان ذلك يخدم أهدافها الاستراتيجية؟
إن أخطر ما في التجربة الأمريكية المعاصرة ليس فقط الحروب العسكرية، وإنما أيضًا القدرة الهائلة على صناعة السردية الأخلاقية المصاحبة للحرب.
فكل تدخل تقريبًا يُقدَّم باعتباره دفاعًا عن الحرية، وكل احتلال يُسوَّق باعتباره مشروع إنقاذ، وكل ضغط اقتصادي يُصوَّر باعتباره حماية للنظام الدولي، بينما تكشف النتائج النهائية في كثير من الأحيان عن دول مدمرة، ومجتمعات ممزقة، واقتصادات منهارة، وأجيال ضائعة.
ماذا حدث للعراق بعد الغزو؟
وماذا حدث لليبيا بعد إسقاط الدولة؟
وماذا جرى لأفغانستان بعد عشرين عامًا من «إعادة البناء» الأمريكية؟
لقد خرجت الولايات المتحدة من أفغانستان تاركة بلدًا محطمًا، وفقرًا واسعًا، ومؤسسات منهارة، واقتصادًا هشًا، ومجتمعًا أنهكته الحرب والمخدرات والسلاح.
«وإذا كانت أفغانستان قد تحولت – في نظر كثيرين – إلى نموذج صارخ لكيفية إدارة الحروب الكبرى بوصفها أدوات للسيطرة وإعادة تشكيل المجتمعات، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: هل يتكرر السيناريو نفسه بصورة أخرى في المواجهة المفتوحة مع إيران؟»
وإذا كانت تجربة أفغانستان، بما أحاط بها من أسئلة وشبهات وتناقضات، قد دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في حقيقة الأهداف الأمريكية من الحروب الكبرى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح أشد هو: ما الذي يضمن ألّا تكون الحرب الجارية، أو المخطط لها، ضد إيران جزءًا من السياق نفسه؟ وما الذي يمنع أن يكون الهدف الحقيقي أبعد بكثير من مجرد خلاف سياسي أو صراع نووي أو ترتيبات أمنية في الشرق الأوسط؟
إن المتأمل في المشهد الإقليمي خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة يلاحظ أن المنطقة العربية والإسلامية تعرضت لسلسلة هائلة من عمليات التفكيك والاستنزاف والانهيار المنظم.
فمنذ عام 2011، ومع اندلاع موجات الحراك الشعبي العربي، بدأت تظهر – رغم كل ما شاب التجربة من أخطاء وفوضى وتدخلات – ملامح صحوة سياسية وحضارية أقلقت قوى دولية وإقليمية كبرى.
كانت هناك شعوب تبحث عن الاستقلال الحقيقي، وعن استعادة القرار الوطني، وعن بناء نماذج أكثر تحررًا من التبعية التقليدية، وكان واضحًا أن ثمة قوى إقليمية، مثل تركيا وايران، تحاول – كلٌّ بطريقته وبمشروعه الخاص – توسيع نفوذها وبناء حالة من الاستقلال النسبي عن الهيمنة الغربية التقليدية، بينما ظلت مصر تمثل، بحكم ثقلها التاريخي والبشري والحضاري، الجائزة الكبرى في أي معادلة تخص المنطقة.
ومن هنا، يرى كثيرون أن ما جرى منذ ذلك الوقت لم يكن مجرد سلسلة أزمات منفصلة، بل عملية إعادة تشكيل شاملة للشرق الأوسط، هدفها منع أي احتمال لنشوء كتلة إقليمية مستقلة سياسيًا أو اقتصاديًا أو حضاريًا يمكن أن تنافس النفوذ الأمريكي والغربي أو تتحرر منه.
لقد جرى تدمير العراق، ثم غرقت ليبيا في الفوضى، وتم استنزاف سوريا بحرب مدمرة، ودخل السودان في دوامة الانقسام والصراع والانهيار، بينما تعيش المنطقة كلها حالة إنهاك اقتصادي وأمني غير مسبوقة.
وفي خضم هذا المشهد، تبدو المواجهة مع إيران – في نظر قطاع واسع من المحللين – جزءًا من صراع أكبر على خرائط النفوذ والطاقة والممرات الاستراتيجية ومستقبل المنطقة كلها، لا مجرد خلاف محدود حول ملف نووي أو ترتيبات أمنية.
لكن، ومع أهمية هذه القراءة، ينبغي أيضًا الحذر من اختزال كل ما يجري في «مؤامرة واحدة» ذات مركز تحكم مطلق؛ فالصراعات الدولية أكثر تعقيدًا وتشابكًا من ذلك، وتتداخل فيها مصالح دولية وإقليمية ومحلية، وأخطاء داخلية، وصراعات مذهبية وسياسية، وطموحات قوى متعددة، وليس فقط إرادة طرف واحد.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الثابتة أن الدول الكبرى لا تتحرك وفق العواطف، بل وفق حسابات القوة والمصلحة، وعندما تشعر هذه القوى بأن هناك مشروعًا إقليميًا أو حضاريًا قد يهدد هيمنتها مستقبلًا، فإنها تسعى غالبًا إلى احتوائه أو إضعافه أو تفكيكه قبل أن يكتمل.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه شعوب المنطقة ليس فقط العدوان الخارجي، بل أيضًا استمرار حالة التشرذم الداخلي، والانقسام، والارتهان، والعجز عن بناء مشروع حضاري مستقل يقوم على العلم والاقتصاد والعدالة والوعي والقدرة الحقيقية على حماية القرار الوطني.
وهنا تحديدًا يصبح الحديث عن «الرسالة الأخلاقية» التي طالما قدمت الولايات المتحدة نفسها من خلالها بحاجة إلى مراجعة عميقة وصريحة.
إن العالم الثالث – والعالم العربي خصوصًا – ارتكب خطأً فادحًا حين تصور أن خلاصه سيأتي عبر الارتماء الكامل في أحضان القوى الكبرى، فالقوى العظمى لا تتحرك بدافع الرحمة، وإنما بدافع المصالح، حتى وإن ارتدت أثواب المبادئ.
ولذلك فإن أخطر أنواع الاستعمار ليست فقط تلك التي تحتل الأرض، بل تلك التي تحتل الوعي، وتقنع الشعوب بأن خلاصها لا يأتي إلا عبر التبعية.
لقد نجحت الولايات المتحدة، عبر ماكينة إعلامية وسياسية هائلة، في تقديم نفسها لعقود طويلة باعتبارها النموذج الأعلى للحضارة الحديثة، بينما كانت ممارسات كثيرة على الأرض تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
وحين نقرأ شهادات مسؤولين أمريكيين سابقين، أو نتابع تسريبات ووثائق وتقارير عن الحروب والسجون السرية والاغتيالات والفوضى المنظمة، فإننا لا نكون أمام «أخطاء فردية»، بل أمام نمط متكرر يكشف طبيعة التفكير الإمبراطوري حين يشعر أنه فوق المحاسبة.
ولا يعني ذلك تبرئة خصوم الولايات المتحدة أو تصوير العالم باعتباره ساحة ملائكة وشياطين، فالصراعات الدولية أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية الساذجة، لكن من السذاجة أيضًا أن نظل نصدق أن كل ما يُمارس ضد منطقتنا يجري بدافع الحرص على الديمقراطية أو حقوق الإنسان.
إن الدول الكبرى تحترم القوي فقط.
تحترم من يملك العلم، والاقتصاد، والوعي، والإرادة، والهوية، والقدرة على حماية مصالحه.
أما المجتمعات الضعيفة، المفككة، المستهلكة، المنقسمة، فإنها تتحول بسهولة إلى ساحات نفوذ وتجارب وصراعات بالوكالة.
ومن هنا تأتي خطورة المخدرات، لا باعتبارها مجرد أزمة جنائية، بل باعتبارها أداة لتدمير المجتمعات من الداخل.
فالشعوب الغارقة في الإدمان لا تبني حضارة، ولا تنتج علمًا، ولا تحمي استقلالًا، ولا تصنع نهضة.
ولهذا يصبح السؤال الحضاري أكثر أهمية من السؤال السياسي:
كيف نحمي مجتمعاتنا من التفكك؟
كيف نبني إنسانًا قادرًا على مقاومة الإفساد الثقافي والاقتصادي والأخلاقي؟
كيف نستعيد الثقة في قيمنا، وفي هويتنا، وفي قدرتنا على إنتاج مشروعنا الحضاري الخاص؟
إن أزمتنا الكبرى ليست فقط في وجود قوى دولية تستغل وتبتز وتفرض الهيمنة، بل أيضًا في وجود قابلية داخلية للاستسلام والتبعية والانبهار.
لقد امتلكت هذه الأمة عبر تاريخها منظومة أخلاقية وروحية وإنسانية هائلة، وكان الإسلام – في جوهره الحضاري – مشروع بناء للإنسان، وحماية للعقل، وصيانة للكرامة، وتحريمًا لكل ما يفسد الفرد والمجتمع، وعلى رأسه المخدرات والانحلال والظلم والاستغلال.
لكن المشكلة أن كثيرًا من شعوبنا فقدت الثقة في ذاتها، وبدأت تنظر إلى الخارج باعتباره مصدر الحقيقة الوحيد، رغم أن هذا الخارج نفسه يعيش أزمات أخلاقية واجتماعية عميقة.
إن المطلوب اليوم ليس خطاب كراهية ضد العالم، ولا انغلاقًا أعمى، ولا شعارات انفعالية، وإنما وعي نقدي حقيقي.
وعي يفهم العالم كما هو، لا كما يُقدَّم في الدعاية السياسية.
وعي يدرك أن العلاقات الدولية تحكمها القوة والمصالح.
وعي يعرف أن الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع بالعلم والعمل والعدل والنهضة.
أما أخطر ما يمكن أن تفعله أمة بنفسها، فهو أن تسلم عقلها بالكامل للآخر، ثم تتفاجأ بعد ذلك بأنها تحولت إلى مجرد رقم في خرائط النفوذ الكبرى.
وربما لهذا السبب بالذات، فإن ما قاله جون كيرياكو – بصرف النظر عن دقته الكاملة أو الجزئية – يجب ألا يُقرأ بوصفه مجرد «فضيحة إعلامية»، بل بوصفه جرس إنذار يدفعنا إلى إعادة التفكير في طبيعة النظام الدولي كله، وفي الثمن الذي تدفعه الشعوب حين تتحول أوطانها إلى ساحات صراع بين الإمبراطوريات.
ففي عالم المصالح الكبرى، لا أحد يبني أوطان الآخرين نيابة عنهم، ولا أحد يحمي الضعفاء مجانًا، ولا مستقبل لأمة لا تملك وعيها، ولا قرارها، ولا مشروعها الحضاري المستقل.














