كل عام، يأتي يوم عرفة محمّلًا بمعنى عظيم لا تخطئه القلوب، يوم تتجرد فيه الأرواح من ضجيج الدنيا، ويقف البشر في مشهد مهيب بلا فوارق، بلا ألقاب، بلا سلطة، بلا ثراء، وكأن السماء تريد أن تذكّر الأرض بحقيقة بسيطة أن الإنسان أغلى من كل شيء.
لكن السؤال الذي يطاردنا هذا العام بقسوة أين اختفى الإنسان من حسابات السياسة؟ في عرفات، يقف الملايين بثياب متشابهة، لا أحد أعلى من أحد، ولا أحد يملك امتيازًا على الآخر إلا بالرحمة والعدل والتقوى.
أما هنا، على الأرض، فالمشهد مختلف تمامًا، هناك من يملك كل شيء، وهناك من فقد حتى قدرته على الحلم، العيد الذي كان يومًا موسمًا للفرح الجماعي، صار عند كثير من البيوت المصرية موسمًا للقلق الصامت.
الأب الذي كان يعود بالأضحية صار يعود بقائمة أسعار، والأم التي كانت تُخفي فرحتها داخل تجهيزات العيد، أصبحت تُخفي خوفها من الأيام القادمة.
أما الأطفال، الذين كانوا ينتظرون العيد كمعجزة صغيرة، فقد كبروا مبكرًا على لغة الأرقام والفواتير والاعتذار المؤلم «مش هينفع السنة دي».
المأساة ليست فقط في الغلاء، بل في الاعتياد عليه، أن يتحول الضغط إلى أسلوب حياة، والخوف إلى روتين يومي، والقلق إلى جزء من تكوين الإنسان نفسه.
السياسة حين تفقد إحساسها بالبشر، تتحول إلى جداول وأرقام ومؤشرات باردة، تتحدث عن النمو بينما الناس تتآكل، وتحتفل بالمشروعات بينما المواطن يبحث عن مساحة آمنة يعيش فيها بكرامة لا أكثر.
في يوم عرفة، يطلب الناس من الله المغفرة والرحمة والستر، لكن شعوبًا كاملة باتت تطلب أشياء أبسط بكثير راتب يكفي، معاش يستر، دواء متاح، تعليم يحفظ الكرامة، وبيت لا يسكنه الخوف.
المؤلم أن الأوطان لا تنهكها الأزمات الاقتصادية وحدها، بل ينهكها شعور الناس بأن أحدًا لم يعد يراهم، أن المواطن تحول من إنسان له أحلام وحقوق إلى رقم في طابور طويل من الاحتمال والصبر.
ولهذا يبقى يوم عرفة رسالة سياسية وأخلاقية قبل أن يكون شعيرة دينية، رسالة تقول إن قيمة الدول لا تُقاس بارتفاع الأبراج ولا بعدد المؤتمرات، بل بقدرتها على حماية الإنسان البسيط من الانكسار.
ففي حضرة عرفة، تسقط الفوارق كلها، ويبقى سؤال واحد معلقًا فوق هذا العالم المتعب، متى تتذكر السياسة أن الإنسان أولًا؟
الشعوب لا تحتاج إلى خطابات طويلة بقدر حاجتها إلى رحمة حقيقية تشبه روح يوم عرفة، رحمة تُعيد للإنسان شعوره بالأمان، لا أن تتركه وحيدًا في مواجهة الخوف والغلاء والعجز.
الناس لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن رفاهية خارقة، بل تريد فقط وطنًا لا يشعرها كل يوم بأنها عبء عليه، وطنًا يتذكر أن القوة الحقيقية ليست في صلابة القرارات، بل في القدرة على حماية القلوب من الانكسار.
وفي يومٍ يقف فيه الجميع سواسية أمام الله، تبدو كل المناصب مؤقتة، وكل السلطة زائلة، ويبقى شيء واحد فقط لا يسقط بالتقادم، دعوة مظلوم، ودمعة أب، ووجع أم، وحسرة بيتٍ كان ينتظر العيد، فلم يجد سوى الخوف والقلق.. ارحمونا يرحمكم الله.














