أي عدالة هذه التي تجعل رجلًا قضى أربعين عامًا في العمل الشريف، يستيقظ بعد التقاعد ليكتشف أن معاشه لا يكفي عشرة أيام من الطعام؟، أي رحمة هذه التي تجعل أبًا تجاوز الستين من عمره ينظر إلى أبنائه وبناته عاجزًا عن تحقيق أبسط احتياجاتهم؟
أي مساواة نتحدث عنها بينما يعيش أصحاب المعاشات على هامش الحياة، يحاسبون أنفسهم على كل رغيف خبز، وكل شريط دواء، وكل فاتورة كهرباء، وكل احتياج داخل بيوتهم؟
الحقيقة التي يراها أصحاب المعاشات كل يوم أن المعاش لم يعد وسيلة للحياة الكريمة، بل أصبح معركة يومية من أجل البقاء، فصاحب المعاش ليس فردًا يعيش وحده، إنه رب أسرة، وأب، وزوج، وجد، وعليه التزامات لا تنتهي بمجرد خروجه من الخدمة.
الأبناء ما زالوا في مراحل التعليم، والبنات ينتظرن الزواج، والبيت يحتاج إلى مصروف، والمرض يطرق الأبواب بلا استئذان، والأسعار لا تعرف الرحمة.
من السهل أن ينظر البعض إلى صاحب المعاش باعتباره شخصًا انتهت مسؤوليته بخروجه إلى التقاعد، لكن الواقع مختلف تمامًا، كم من أب على المعاش ما زال يساعد أبناءه في مصروفات الدراسة؟، كم من أم تعيش على المعاش وتساعد أبناءها وأحفادها؟، كم من أسرة كاملة تعتمد على معاش الأب أو الأم كمصدر دخل رئيسي؟
إن الحديث عن أصحاب المعاشات هو حديث عن ملايين الأسر المصرية، حين يضعف المعاش تضعف الأسرة، وحين يتآكل المعاش يتآكل الأمان داخل البيت، وحين يعجز صاحب المعاش عن مواجهة الحياة، تدفع الأسرة كلها الثمن.
هناك آباء يجلسون ليلًا يفكرون في مصاريف الجامعة، وفي إيجار الشقة، وفي جهاز الابنة، وفي تكاليف العلاج، وفي احتياجات المنزل، ثم ينظرون إلى المعاش فيجدونه قد انتهى قبل أن ينتهي الشهر.
أي مرارة أشد من أن يقف أب قضى عمره كله يعمل ويكافح ثم يعجز عن مساعدة ابنه أو ابنته؟، أي ألم أشد من أن يرى ابنته تؤجل الزواج لأن الظروف المادية أصبحت فوق الاحتمال؟، أي قسوة أشد من أن يضطر إلى الاقتراض وهو في هذا العمر بعد أن كان طوال حياته مصدر عطاء للآخرين؟
إن أصحاب المعاشات لا يبكون على أنفسهم فقط، بل يبكون على أسرهم، يبكون لأنهم يشعرون بالعجز، والعجز عند الرجال الشرفاء أشد قسوة من الفقر نفسه.
الرجل الذي اعتاد أن يعطي يشعر بانكسار داخلي حين يصبح غير قادر على تلبية احتياجات بيته، والأم التي اعتادت أن تحتضن أبناءها تشعر بالألم حين تعجز عن توفير ما يحتاجون إليه.
هذا هو الوجه الحقيقي للأزمة، وجه لا يظهر في الأرقام، ولا يظهر في البيانات، ولا يظهر في المناقشات الرسمية، إنه وجه الأسرة المصرية التي تعيش على معاش لا يواكب متطلبات الحياة.
أين نحن من قيم العدل؟، أين نحن من معاني التراحم التي أمرت بها الأديان؟، أين نحن من الإنصاف لمن أفنوا أعمارهم في خدمة المجتمع؟، كيف نقبل أن يصل الحال ببعض أصحاب المعاشات إلى الاختيار بين الطعام والعلاج؟
كيف نقبل أن يقضي الأب سنوات شيخوخته وهو يحمل همَّ تعليم أبنائه وتزويج بناته وسداد التزاماته بينما دخله لا يواكب الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟
إن العدالة ليست شعارًا، والتراحم ليس خطبة، والمساواة ليست كلمات تكتب في المناسبات، العدالة أن يشعر صاحب المعاش أن المجتمع لم ينسه، وأن الدولة لم تتركه، وأن القانون يحميه، وأن سنوات العطاء لم تذهب هباءً.
لهذا فإن قضية أصحاب المعاشات ليست قضية زيادة مالية فقط، إنها قضية كرامة أسرة كاملة، وقضية استقرار اجتماعي، وقضية وفاء لجيل بنى الوطن بعرقه وجهده وتضحياته.
لا يجوز أن يقضي العامل عمره في خدمة المجتمع ثم يقضي شيخوخته في مطاردة الأسعار، ولا يجوز أن يصبح رب الأسرة بعد الستين أسيرًا للخوف من الغد، ولا يجوز أن يبقى ملايين أصحاب المعاشات يسألون السؤال نفسه كل شهر: كيف نعيش؟
إن الأمة التي تريد العدل حقًا لا تترك كبارها تحت رحمة الغلاء، والمجتمع الذي يؤمن بالتراحم لا يسمح بأن يتحول أصحاب المعاشات إلى فئة تكافح من أجل الحد الأدنى من الحياة.
أصحاب المعاشات لا يطلبون امتيازات، ولا يطلبون المستحيل، إنهم يطلبون حقهم الطبيعي في حياة كريمة لهم ولأسرهم، وذلك أقل ما يستحقه من أفنوا أعمارهم في خدمة وطنهم.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













